ونحن لا نزال على بُعد أيام قلائل من شهر الرحمة والمغفرة، نجد أنفسنا قد وصلنا إلى قمة جبل التأمل المليء بالأفكار المدعمة للبداية والنهاية المأمولة لهذا الشهر الكريم.
ولو تأملنا في بلاغة الخالق، لوجدنا أن الإنسان هو "المعجزة" التي جمعت بين نقيضين؛ هما طين الأرض الذي يشدنا إلى أسفل، ونفخة السماء التي تحلق بنا عالياً.
وهذا هو جوهر العلاقة بين الروح والجسد؛ فبالرغم من تضاد طبيعتهما، إلا أن بينهما وحدة اندماجية عجيبة. يقول الحق سبحانه في سورة (ص): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ صدق الله العظيم، وهنا يكمن سر السكن؛ فـالروح لم تسكن الجسد لتُسجن فيه، بل لتُشرفه وتُحركه نحو مراد الله. ويأتي رمضان ليكون ميعاد "التجرد الكبير"، حيث نضع الروح في مكانتها المرموقة التي تليق بها؛ كقائدةٍ تهذبُ أهواء الجسد، وترتقي به من رتبة "البيولوجيا" إلى رتبة "النورانية".
وفي خضم هذه الهندسة الإلهية الحكيمة، ندرك أن ثمة صراعاً دائماً يدور في الخفاء بين النداءات الأرضية والآيات السماوية، وهو ما وصفه الحق تبارك وتعالى في سورة (الشمس): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ صدق الله العظيم؛ حيث يبرز دور رمضان ليفك أغلال "النفس الأمارة"، ويقوي جانب "التقوى" في الروح على حساب "الفجور" الكامن في شهوات الجسد. إن كبح الشهوات من طعامٍ وشراب ولغو ليس حرماناً بيولوجياً، بل هو في حقيقته "إفساح مجال" للكيان الأسمى؛ فعندما يصوم الجسد وتخفت أصوات الغرائز الصاخبة، تبدأ الروح في سماع إلهام التقوى بوضوح، ليعود التوازن المفقود وتسترد مكانتها المرموقة كقائدٍ حكيم للجسد، لا تابعاً ذليلاً لشهواته.
هذا الانقياد الواعي يضعنا أمام اختبار "الاستغناء"، وهو لبُّ البرِّ والارتقاء الذي تضمنته الآية الكريمة من سورة (آل عمران): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ صدق الله العظيم. وفي رحاب الروحانية، لا يقتصر الإنفاق على الماديات فحسب، بل يمتد ليشمل إنفاق "الشهوات" وتضحية الجسد بما يحبه من راحة ومتاع في سبيل ما تحبه الروح من قربٍ ومناجاة. هذا "التجريد" الرمضاني هو الذي يحرر الإنسان من ثقل المادة، لتصبح الروح خفيفة، قادرة على التحليق في آفاق الوجد الإلهي، متجاوزةً حدود الطين لتلامس جوهر اليقين وتستشعر عظمة الصانع في سكون الصيام.
وإن الثمرة الكبرى لهذه الهندسة الإلهية تكمن في قدرتها على الاستدامة، بحيث لا تنتهي ولاية الروح بانتهاء الشهر ورحيله. فالمفلحون حقاً هم الذين أشار إليهم القرآن الكريم في سورة (الحشر): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ صدق الله العظيم. وشُحُّ النفس هنا هو استمساك الجسد بمادياته وأهوائه على حساب سمو الروح ونورانيتها.
لذا، فإن الروح التي تخرج من رمضان "مهذبة ومجردة" هي التي تظل تعمل كحارسٍ ومراقبٍ دائم على الجسد طوال العام، تمنعه من العودة إلى غيّه القديم، وتُبقيه جسداً مطهراً بنور الصيام، يسير في الأرض ببدنه وقلبه معلقٌ بالسموات، في استعادة دائمة لأدب الروح الذي تجلى في محراب الشهر الكريم.