ربما تكون الحرب القادمة على إيران، حال وقعت وسُدّت كل الطرق لتجنبها، هي الحدث الأكبر طوال عام 2026، وربما أيضًا طوال عام 2027. والأسباب في ذلك، من وجهة نظري، كثيرة:
أولًا: حالة التصعيد بين الرئيس الأمريكي ترامب والنظام الإيراني كبيرة للغاية، ولم تحدث في عهد أي إدارة أمريكية بمثل هذه الحدة. إن ترامب، على الخصوص، ومنذ الانسحاب من الاتفاق النووي مع طهران خلال فترة رئاسته الأولى، يشعر أن لديه ثأرًا شخصيًا مع النظام الإيراني، ويريد أن يوجه ضربته الكبرى ويتخلص منه خلال فترة ولايته الحالية.
ثانيًا: إن ترامب، وفي تهديداته الحالية للنظام الإيراني منذ عدة أسابيع، دمج التهديد اللفظي بتحركات عسكرية فعلية؛ فقد حرّك حاملات طائرات أمريكية إلى المنطقة، وأعطى أوامره لحاملة طائرات أخرى بالتحرك إليها. وهذا لا يعني أن الموضوع تهديد فارغ أو مجرد ردع لفظي من خلال تحريك مثل هذه القطع البحرية الضخمة، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون هذا كله "للتهويش على النظام الإيراني".
أما السبب الثالث، والذي يصعّد من احتمالية اندلاع الحرب مع إيران، فهو تماهي ترامب ونتنياهو؛ فلأول مرة في التاريخ تكون السياسة الخارجية الأمريكية متطابقة بهذا الشكل مع سياسة تل أبيب في كل ما يخص المنطقة.
صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ نشأة إسرائيل قبل قرابة 80 عامًا، كانت ولا تزال داعمة لدولة الاحتلال، لكن كانت هناك فروقات واضحة بين السياستين الخارجيتين في كلا البلدين. إلا أن هذا الفارق اختفى في عهد ترامب.
وتزامن ذلك مع خطط هجومية تعدّها إسرائيل لضرب إيران، حال اتخذ ترامب قرار ضربها بالفعل خلال الفترة القصيرة المقبلة.
ورأيي أن ضرب إيران آتٍ لا محالة خلال عهد ترامب، أو بنسبة كبيرة للغاية، وأن الرئيس الأمريكي الحالي لن يفوّت أبدًا، وفي وجود نتنياهو، هذه الفرصة بالنسبة لهما.
فهناك احتجاجات عنيفة داخل إيران، وهي احتجاجات معيشية شارك فيها مئات الآلاف من الإيرانيين على مدى أسابيع، كسرت ظهر النظام ولطخت صورته في الشارع الإيراني، خصوصًا وأنه صاحبها رد عنيف من جانب قوات الأمن والباسيج والحرس الثوري الإيراني. ووفق تقديرات دولية، فقد سقط خلال احتجاجات يناير الماضي في إيران ما لا يقل عن 30 ألف ضحية، وهو رقم مخيف لاحتجاجات شعبية.
كذلك، فإن النظام الإيراني خلال عام 2025 فقد كثيرًا من وكلائه الإقليميين والداعمين له من الجماعات المسلحة التي موّلها، وخصوصًا في غزة (جماعة حماس)، وفي لبنان (حزب الله)، وفي اليمن (الحوثيون)، وفي سوريا الفصائل الإيرانية طوال عهد بشار الأسد وبعد 2011. ولم يبقَ من الجماعات المسلحة الإيرانية والوكلاء سوى عناصر الحشد الشعبي في العراق وحزب الله العراق، وهؤلاء لا يزالون بقواتهم وعناصرهم ولم يتضرروا من الضربات الإسرائيلية بمساعدة أمريكية طوال عام 2025.
من ناحية ثانية، يتساءل كثيرون عن سبب صدام الإدارة الأمريكية الحالية مع النظام الإيراني؟ باختصار: لماذا اختلقت إدارة ترامب الصدام مع طهران وصعّدت معها دون حدث أو مناسبة حقيقية؟ الإجابة باختصار: لأن الولايات المتحدة قوة عظمى، وترى في استمرار النظام الإيراني الحالي مهددًا رئيسيًا لمصالحها ومصالح إسرائيل، لذلك جاء التصعيد معه.
والسؤال الآخر: هل يمكن لإيران أن تتصدى لضربة أمريكية كبيرة أو حرب واسعة معها؟ الحقيقة أنها قوة عسكرية معتبرة، ولكن بمقاييس الدول النامية؛ أي إنها ليست فرنسا مثلًا، وليست بريطانيا، ولا تمتلك مثل القدرات الهجومية والصاروخية التي يمتلكها البلدان، وإن كانا معًا أقل مما تمتلكه القوة العظمى الأمريكية.
والمؤكد أنه يمكنها التصدي للحرب عليها أو معها، والتصدي للضربات الواسعة حال حدوثها، كما أنها قد تسبب مشاكل كبيرة في بدايات الحرب، خصوصًا بعدما اختبرت طهران قدراتها الصاروخية الباليستية خلال حرب الـ12 يومًا خلال العام الماضي، وأمطرت إسرائيل بالصواريخ والمسيرات، واستطاعت ضرب مطار بن جوريون وتل أبيب وأماكن سكنية مكتظة. والأدهى من ذلك ما قاله المرشد الإيراني خامنئي: إن الحرب مع طهران ستكون إقليمية، فيما أكد بعض المسؤولين الإيرانيين أنها قد تؤخر المنطقة لسنوات. والمعنى أن طهران، حال ضربها، ستستهدف القوات الأمريكية في دول الخليج، وهذه كارثة، وفي بعض الدول العربية البعيدة عن الخليج، وكلها في مرمى الصواريخ الباليستية الإيرانية. وهذا، إن حدث، سيكون جحيمًا يندلع في الشرق الأوسط.
وعليه، ومن خلال هذه القراءة، فإن هناك حاجة ماسة للتحرك مع الإدارة الأمريكية وفتح قنوات اتصال منعًا لاندلاع الحرب. ومن جهة ثانية، على النظام الإيراني أن يعيد مراجعة سياساته الخارجية وما يسمى بالمد الثوري الإيراني؛ فما كان مقبولًا في تسعينيات القرن الماضي، من التوغل في لبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها، لم يعد مقبولًا الآن.
إن مراجعة إيران لسياساتها ليست خطأ، وقد يكون إعلان ذلك من جانبها بمثابة نزع لفتيل القنبلة قبل انفجارها.