شهد البحر الميت، مؤخرًا، تغيرًا لافتًا في لون مياهه، ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب هذا التحول غير المعتاد، خاصة مع ظهور درجات مائلة إلى الأخضر والبني بدلًا من لونه الأزرق المعروف.
ورغم أن المشهد بدا غامضًا للبعض، فإن التفسيرات العلمية تشير إلى أن ما حدث هو ظاهرة طبيعية مؤقتة ترتبط بعوامل بيئية محددة.
تغير مياه البحر الميت
جاء هذا التغير بالتزامن مع موجة من الأمطار الغزيرة التي ضربت المنطقة في منتصف مارس، وأسفرت عن تدفق كميات كبيرة من السيول المحملة بالطمي والمواد المغذية إلى مياه البحر.
وعند اختلاط هذه المياه العذبة بمياه البحر الميت شديدة الملوحة، تبدأ سلسلة من التفاعلات الفيزيائية والكيميائية التي تؤثر بشكل مباشر على لون المياه.
ويُعد البحر الميت من أكثر المسطحات المائية ملوحة على سطح الأرض، إذ تصل ملوحته إلى نحو 10 أضعاف ملوحة البحار العادية، ما يمنحه خصائص فريدة.
وعندما تصل إليه مياه السيول، لا تمتزج بسرعة بسبب اختلاف الكثافة، بل تتشكل طبقات مائية منفصلة؛ حيث تبقى المياه العذبة الأخف في الأعلى، بينما تستقر المياه المالحة الأثقل في الأسفل، فيما تُعرف المنطقة الفاصلة بينهما بـ"الهالوكلاين".
ما تأثير "الهالوكلاين"؟
هذا التكوين الطبقي المعروف بــ"الهالوكلاين" يؤدي إلى تغيرات بصرية واضحة، إذ ينعكس الضوء ويتشتت بشكل مختلف عبر هذه الطبقات، ما ينتج عنه ألوان غير مألوفة.
كما أن الطمي والرواسب التي تحملها السيول تظل معلقة لفترات طويلة بسبب كثافة المياه العالية، ما يزيد من عكارة المياه ويغير لونها.
ولا يقتصر الأمر على العوامل الفيزيائية فقط، بل تلعب الكائنات الدقيقة دورًا مهمًا أيضًا، فمع انخفاض الملوحة نسبيًا في الطبقة السطحية، تتوفر بيئة مناسبة لنمو الطحالب والبكتيريا، خاصة مع وجود عناصر غذائية مثل الفوسفات.
وقد أظهرت دراسات علمية أن هذه الظروف تحفّز ازدهار كائنات دقيقة مثل الطحالب الخضراء، التي تسهم في إعطاء المياه لونًا مائلًا للأخضر أو الأحمر أحيانًا.
كذلك تؤدي هذه التغيرات إلى إعادة توزيع الأملاح داخل الماء، حيث تذوب بعض المركبات أو تترسب في الأعماق، ما يؤثر على شفافية المياه وتركيبها الكيميائي، وبالتالي على لونها النهائي.
هل تعود مياه البحر الميت إلى لونها؟
في النهاية، يؤكد العلماء أن هذا التحول اللوني ليس ظاهرة دائمة، بل نتيجة مؤقتة لتداخل عوامل طبيعية مثل الأمطار والسيول والتركيب الفريد لمياه البحر الميت.
ومع استقرار الظروف البيئية، من المتوقع أن تعود المياه تدريجيًا إلى لونها المعتاد، لتظل هذه الظاهرة مثالًا مميزًا على تعقيد التفاعلات الطبيعية في أحد أغرب بحار العالم.



