حين كانت طبول الحرب تقرع على اتساع الجغرافيا، من الخليج إلى شرق المتوسط، برزت مصر كفاعل رئيسي في مسار التهدئة، تقود تحركا دبلوماسيا مكثفا لاحتواء تداعيات المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة لا تُبقي ولا تذر.
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، تحركت القاهرة على أكثر من مسار، واضعة ثقلها السياسي والتاريخي في ميزان الوساطة، حيث عملت بالتنسيق مع كل من باكستان وتركيا على تقريب وجهات النظر، وفتح قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة بين أطراف الصراع، في محاولة لتفكيك التصعيد وبناء أرضية مشتركة تمهد لوقف إطلاق النار.
وفي قلب هذه الجهود، جاءت التحركات الرئاسية التي قادها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث قام بجولات وزيارات مكثفة شملت السعودية وقطر والبحرين والإمارات، في توقيت بالغ الحساسية، عكست إدراكا مصريا عميقا بخطورة المرحلة، وضرورة توحيد المواقف العربية في مواجهة تداعيات الحرب، خاصة مع اتساع رقعة التهديد لتطال أمن دول الخليج والأردن، كما أجرى اتصالات مع العديد من قادة وزعماء دول العالم من أجل وقف الحرب.
بالتوازي، كثفت الدبلوماسية المصرية تحركاتها على مختلف المسارات وعلى الأصعدة كافة، عبر سلسلة من الاتصالات واللقاءات في العواصم الخليجية والإقليمية، وكذلك في المحافل الدولية، فضلا عن التواصل المباشر مع مختلف أطراف الصراع، في مسعى لتقريب وجهات النظر، ووقف التصعيد، والدفع نحو اتفاق يضع حدا لنزيف الحرب.
ورغم ذلك، واجهت هذه الجهود والتحركات المصرية جملة من التحديات والضغوط، إذ تعرضت القاهرة لحملات مزايدات وتشكيك، في محاولة للنيل من دورها أو التقليل من تأثيره، إلا أن مصر واصلت تحركها بثبات، منطلقة من خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات، وإيمانها الراسخ بأن استقرار المنطقة مسؤولية جماعية لا تحتمل المزايدات، ومستندة إلى نجاحاتها السابقة، ومن بينها اتفاقات التهدئة التي ولدت في مدينة شرم الشيخ.
وقد أسهمت الجهود المصرية، هذه المرة أيضًا، وبالتكامل مع تحركات إقليمية ودولية، في كبح جماح التصعيد، وتهيئة الأجواء للتوصل إلى تفاهمات أوقفت الاعتداءات، خاصة تلك التي طالت دول الخليج والأردن، لتؤكد القاهرة مجددًا أنها حجر الزاوية في معادلة الأمن الإقليمي.