الكل يتكلم عن الأمان وكأنه شيء يطلب فقط، لكن القليل من الناس يفهمون ان الأمان لا يطلب بالكلام وحده، بل يصنع بالفعل. لا يمكن لشخص ان يطالب غيره بالطمأنينة وهو في نفس الوقت السبب الرئيسي في القلق والخوف والتعب النفسي. فالعلاقات لا تعيش على الوعود، بل تعيش على التصرفات الصغيرة التي تتكرر كل يوم.
بعض الناس يريدون اهتماما دائما، يريدون ان يشعروا انهم الاولوية، وان وجودهم مختلف، وان مكانتهم محفوظة داخل قلب الطرف الاخر. لكن الغريب ان نفس هؤلاء قد يكونون اكثر الناس تقصيرا. يطلبون الاهتمام بينما هم منشغلون دائما، يطلبون الاحتواء بينما هم لا يعرفون كيف يحتوي غيرهم، يطلبون التقدير بينما هم يقللون من مشاعر الطرف الاخر دون ان يشعروا.
الامان ليس كلمة رومانسية تقال وقت الخلاف حتى ينتهي النقاش. الامان الحقيقي هو ان يشعر الانسان ان مكانه ثابت، وان قيمته لا تهتز كل يوم بسبب تصرفات متناقضة. هو ان لا تجعل من تحب يشعر ان اي شخص اخر اهم منه. ان لا تجعل ابسط الاشياء تاخذ منك كل الاهتمام بينما تترك مشاعر من يحبك في اخر القائمة.
هناك اشخاص يتعبون من كثرة التفكير ليس لانهم شكاكون بطبعهم، ولكن لانهم يتلقون اشارات متناقضة طوال الوقت. مرة يشعرون بالحب، ومرة يشعرون انهم عبء. مرة يجدون اهتماما كبيرا، ومرة يجدون برودا لا يفهمون سببه. ومع الوقت يتحول الاحتياج الى امان الى خوف دائم من الفقد والتجاهل.
المشكلة ان بعض الناس يظنون ان الحب وحده يكفي، بينما الحقيقة ان الحب بدون امان يصبح شيئا مرهقا. فما فائدة الكلام الجميل اذا كانت الافعال تخلق القلق. وما فائدة الوعود اذا كان الطرف الاخر ينام كل ليلة وهو يفكر في مكانته داخل حياتك.
الذي يطلب الامان يجب ان يكون اول من يمنحه. يجب ان يسال نفسه قبل ان يعاتب غيره: هل انا فعلا مصدر راحة ام مصدر توتر. هل افعالي تشعر الطرف الاخر بقيمته ام تجعله دائما يقارن نفسه بكل شيء حوله. هل انا حين اغضب اهدم كل شعور جميل بنيته من قبل. وهل اهتمامي يظهر فقط عندما اخاف من الخسارة.
العلاقات ليست معركة من يحب اكثر، بل مساحة مشتركة من الطمأنينة. والامان لا يحتاج مجهودا خارقا، بل يحتاج صدقا وثباتا واهتماما حقيقيا. يحتاج شخصا حين يقول انا معك يكون فعلا موجودا، لا شخصا يختفي عند اول انشغال ثم يعود مطالبا بكل الحب والاحتواء.
وفي النهاية، لا تطلب شعورا انت لا تعرف كيف تمنحه. لان اكثر شيء يؤلم في العلاقات ليس قلة الحب، بل ان يعيش انسان وهو يحاول طوال الوقت ان يشعر بانه مهم عند شخص يعتبره مجرد خيار يمكن تأجيله في اي وقت.
بلال قنديل يكتب: الأمان