قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: تفعيل بروتوكول كشف الثعابين

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​في عام ٢٠٠٩، فجّرت عالمة الأنثروبولوجيا السلوكية بجامعة كاليفورنيا، الدكتورة "لين إيسبيل" مفاجأة علمية مدوية عندما نشرت نظريتها الشهيرة المعروفة بـ "نظرية كشف الثعابين" في كتابها البارز: "الفاكهة، الشجرة، والأفعى: لماذا نرى بشكل جيد؟". طرحت إيسبيل سؤالاً جوهرياً حول السبب الكامن وراء امتلاك الإنسان جهازاً بصرياً فائق الدقة، قادراً على التقاط الأنماط المموهة في محيطه مقارنة ببقية الثدييات. وجاءت إجابتها عبر تسلسل تطوري يثبت أن الأفاعي السامة كانت أول وأخطر المفترسات المواجهة لأسلاف البشر فوق أغصان الأشجار قبل ملايين السنين؛ مما شكل ضغطاً حيوياً هائلاً جعل الأفراد المستشعرين وجود الأفعى بسرعة هم فقط من ينجون. هذا التهديد المستمر أدى لتوارث تعديل جيني تضخمت بموجبه مسارات بصرية معقدة في الدماغ البشري، صُممت لالتقاط حراشيف الزواحف حتى في ظروف الإضاءة الضعيفة، ليصبح لدى الإنسان نظام إنذار مبكر يعمل بأجزاء من الثانية، يتجاوز التفكير الواعي ويرسل إشارة فزع فورية للجسم قبل إدراك العقل ماهية الشيء.

​لكن المفارقة المفجعة تكمن في أن التحولات المناخية العنيفة بالسنوات الأخيرة بدأت تتلاعب بهذا النظام البشري الفطري وتخدعه؛ إذ لم يعد الارتفاع القياسي الحاد في درجات الحرارة وصيفنا الحارق مجرد ظاهرة بيئية عابرة، بل بات بمثابة قوى طاردة تدفع بالزواحف القاتلة، كالكوبرا المصرية، لترك جحورها في أعماق الأرض والانتشار بمساحات غابت عنها لسنوات. هنا يحدث الخلل الخفي؛ إذ يخطو الفلاح في حقله مطمئناً لبيئة يألفها، بينما تتربص به معادلة مناخية متطرفة، كشفت عنها بجلاء الفاجعة المؤلمة بقرية "القراقرة" التابعة لمركز منيا القمح في محافظة الشرقية، حين فتك سُم الكوبرا بسيدة وطفل لم يستشعرا الخطر المطوق بهما في أرض وطأتها أقدامهما لسنوات بأمان.

​وهنا تحديداً، بين طمأنينة الإنسان وتغوّل الطبيعة، تكمن الثغرة المتسلل منها الموت الصامت. إن عدم اكتراث الضحايا في القرية - والذين انضمت إليهم فتاة صغيرة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها لتسجل الضحية الثالثة في هذا الدفتر الجنائزي الحزين، بالإضافة لحوادث أخرى نجحت الجهود الطبية في إسعافها قبل فوات الأوان - لا يعد إهمالاً بمفهومه السطحي، بل كان نتاج آلية نفسية تُعرف بالاعتياذ البيئي؛ فالإنسان ابن بيئته, والأرض التي رعاها الأجداد لعقود دون بادرة غدر، تمنح العقل الباطن صك سكينة باطنية يدعوه لإطفاء نظام الحذر. هذه الثقة الزائفة جعلت السيدة والأطفال يتعاملون مع الحقل بوصفه امتداداً عائلياً لبيوتهم، متناسين أن لوافح الصيف تبدد جغرافية الطمأنينة القديمة؛ حيث تعمل الحرارة كمحفّز فيزيائي شرس يُخرج الزواحف من طور البيات إلى طور الحركة العنيفة بحثاً عن الرطوبة والملاذ. لذا أصبحت المسافة الصفرية بين قدم الفلاح وجحر الكوبرا خالية من أي ترقب نفسي، لينقض السم في لحظة غفلة فرضها تاريخ طويل من السلام مع الأرض، وتواطأ المناخ الحالي على نقضه بعنف.

​وهذا التبدد المفاجئ لجدار الحماية يضعنا أمام استحقاق معرفي وبيئي لا يمكن تجاهله؛ حيث لم تعد قضية المناخ رفاهية علمية تُناقش في المؤتمرات الدولية، بل أصبحت مسألة حتمية تمس الحياة اليومية في أبسط تفاصيلها. عندما تضطر الكائنات السامة إلى مغادرة بيئتها الطبيعية والاقتراب من التجمعات البشرية، فإن بروتوكول الانتباه البشري يجد نفسه أمام جبهة مواجهة جديدة وغير مألوفة تتطلب إعادة صياغة كاملة لوعينا بالمحيط، والاعتراف بأن الطبيعة حين تشهد هذه التحولات الحادة، تغير قواعد اللعبة بأكملها وتجلب الأدغال بعنفوانها المخيف إلى قلب المساحات التي ظننا يوماً أننا روضناها للأبد.

​لذلك، عزيزي القارئ، يصبح لزاماً علينا تدعيم انتباهنا الغريزي للأخطار بأدوات وقائية مادية وسلوكية تعيد تفعيل بروتوكول اليقظة ميدانياً في حقولنا وهي الأكثر عرضة؛ أولها العودة العاجلة لارتداء الأحذية البلاستيكية الطويلة ("السيفتي" بمفهومه الريفي)، رفيقة الفلاح تاريخياً في ذهابه وإيابه قبل تراجع الاعتماد عليها مؤخراً، لتشكل خط الدفاع الأول الحامي للأقدام بوصفها النقطة الأقرب للأرض والأكثر عرضة للمباغتة. وثانيها، إعادة هندسة جدول العمل الزراعي عبر تعديل نمط زيارة الأراضي؛ بتفادي ساعات ذروة الحرارة المنشطة لكائنات الظل والعمق، والالتزام بأوقات الانكسار الحراري، ليكون هذا التغيير السلوكي عنصراً حاسماً في قطع الطريق على هجمات زائري الصيف غير المرغوب فيهم.

​أما في حال وقوع الفأس في الرأس كما يقولون، وتعرض من كتب له القدر لعضة مباغتة، فإن بروتوكول النجاة يجب أن ينتقل فوراً من الحذر الميداني إلى السيطرة البيولوجية الذاتية؛ وتحديداً عبر "إعمال الهدوء التام والامتناع المطلق عن الخوف والهلع"، مع الأخذ في الاعتبار أن الرعب يتسبب في ضخ كميات هائلة من الأدرينالين، مما يؤدي لتسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، وهو ما يعمل بمثابة مضخة هيدروليكية تسرع جريان السم وانتشاره نحو الأعضاء الحيوية عبر الدورة الدموية والجهاز اللمفاوي. والعكس صحيح تماماً عند الربط الخفيف على مكان العضة والحفاظ على السكينة في تلك اللحظات العصيبة؛ حيث يتم فرملة حركة السم ومحاصرته موضعياً لأطول فترة ممكنة، مما يمنح الضحية الوقت الذهبي الحاسم للتوجه السريع والآمن نحو أقرب مستشفى لتلقي المصل المضاد.

​متعنا الله جميعاً بموفور الصحة والسلامة.