لم يكن الانطباع الذي ظهر على وجه الرئيس السيسي لحظة افتتاح مشروعات الدلتا الجديدة تعبيرا عن مزاج شخصي عابر بل كان انعكاسا حيا لفجوة إدراكية بين رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد فعندما يختزل مشروع يعيد صياغة تدفق الموارد إلى مجرد حدث زراعي يصبح الرد الطبيعي هو الانزعاج من ضيق التناول لا من نقص البيانات.
لطالما كانت محاولات مصر لكسر احتكار الوادي الضيق للحياة حول صراع مع طبيعة قاسية فهناك مشاريع سابقة اصطدمت بحاجز التضاريس وشح الموارد وتوقفت عند حدود الإمكانيات القديمة التي تقف بين الطموح والتنفيذ فما يختلف اليوم ليس حجم الأرض المستهدفة لكن الفلسفة وراء التنفيذ فالمبادرات السابقة تعاملت مع الأرض كمتحف للإنتاج فقط وتجاهلت أن الماء والطاقة والنقل عناصر لا تنفصل.
لكن النهج المعاصر يقطع هذا التقليد فبدلا من السعي لاستخراج موارد جديدة تم تحويل الهدر اليومي إلى رأس مال استراتيجي وإعادة توجيهه عكس انحدار التضاريس بمحطات رفع متتالية لان نهر النيل منبعه من الجنوب ولم يعد الهدف توسيع الرقعه الخضراء فحسب بل صياغة شبكة حيوية تعمل ككائن واحد متكامل.
والتاريخ التنموي العالمي يثبت أن الندرة ليست حكما نهائيا بل محفزا للابتكار المؤسسي فعلى سبيل المثال نجد الصين استعادت أراضي متصحرة في مناطق قاحلة بربط تثبيت التربة بالطاقة المتجددة وتشغيل السكان المحليين في حلقة إنتاج مغلقة وأيضا المملكة العربية السعودية وظفت العائدات الاستثمارية في استصلاح صحاريها عبر انظمة الري المتقدمة والبيئات المتحكم بها حتى إسرائيل دولة الاحتلال حولت صحراء النقب إلى مختبر عالمي لإعادة التدوير المائي والزراعة عالية الإنتاجية عبر تقنيات اختزلت الهدر إلى أدنى حد وهولندا رغم صغر مساحتها وغرق أجزاء منها تحت مستوى البحر تتصدر قوائم التصدير الزراعي عبر بيوت محمية ذكية تتحكم في كل قطرة.
هنا نجد القاسم المشترك ليس التشابه المناخي بل رفض فكرة المشروع المنعزل والانتقال إلى منطق النظام المترابط وعلى هذا الأساس صممت المبادرة المصرية الحالية ككتلة اقتصادية تتقاطع فيها المسارات المياه المعالجة لا تستخدم فقط لري المحاصيل بل تغذي خطوط تصنيع متوازية للسكر والزيوت والأعلاف والمنتجات المجمدة ومحاور النقل الحديثة لا تقتصر على ربط النقاط الجغرافية لكنها تختصر الفجوة الزمنية بين الحقل والميناء محولة التربة الصحراوية إلى منارة للتصدير بعد انشاء موانى جديدة وتطوير المواني القديمة لتستوعب هذه المشاريع وعلى امتداد هذه الشرايين تنشأ تجمعات عمرانية حديثة مزودة بمرافق تعليمية وصحية لضمان استقرار القوى العاملة وتحويل المنطقة إلى منطقة سكنية مستدامة.
وفي قلب هذا التوجه يزول اللبس حول ضخ السيولة المالية وكلام طيور الظلام حول القروض لماذا نقترض واين تذهب فحين ينظر إلي هذة المشاريع كمحرك للسيادة الغذائية فنجد الأرقام الكبيرة الموجهة للبنية التحتية ليست مصروفات استهلاكية بل تحويل الموارد إلى أصول منتجة طويلة الأجل في عالم تتزايد فيه الأزمات اللوجستية مع تقلبات الأسواق بسبب الحروب المنتشرة والأوبئة التى تسبب ازمة سلاسل الامدادات فيصبح إغلاق فجوة الاستهلاك المحلي خط دفاع استراتيجي وكل استثمار هنا يترجم إلى تشغيل شبكات توظيف واسعة وتوليد عائدات أجنبية وتقليل التعرض للصدمات الخارجية فالتمويل في هذا الإطار يمثل جسرا نحو استقرار اقتصادي يقاس بالقدرة على الصمود والإنتاج الذاتي لا بالموازنات المؤقتة.
ومن هنا تتضح حقيقة المشهد الذي رصدناه في حفل التدشين الأمر لم يكن عدم رضا من الرئيس بل ثقل مسؤولية تحويل نموذج متعدد الطبقات إلى خطاب مفهوم بينما يتعامل المتلقي مع الحدث كتحديث زراعي بسيط فالعمق الهندسي والاجتماعي للمنظومة يتجاوز بكثير ما تلتقطه العدسات أو ما تختزله العناوين
في النهاية ما نراه على الأرض ليس صحراء تستصلح بل دولة تعاد هندستها لأن المستقبل لا يبنى بالعواطف أو الانطباعات السريعة بل بإدراك أن كل محطة رفع وكل خط سكة حديد وكل مصنع وكل قرية حديثة هو جزء من معادلة واحدة هدفها بسيط وجوهري ضمان بقاء مصر قوية منتجة ومستقل حفظ الله مصر حفظ الله جيشها صمام الامان.
خالد عامر يكتب: الرئيس الذي كشف عمق الرؤية الإستراتيجية