قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد الأشعل يكتب: القيادة الاستراتيجية للدولة.. عندما تتحول الرؤية إلى قوة شاملة

أحمد الأشعل
أحمد الأشعل

هناك فارق كبير بين أن تبني دولة منشآت جديدة، وبين أن تعيد صياغة فلسفة إدارة الدولة نفسها. وهذا هو الفارق الذي عكسته بوضوح مراسم افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تشرفت بحضور استعراض إمكانيات مجابهة الأزمات والكوارث خلالها، لأدرك أن ما يحدث يتجاوز فكرة افتتاح صرح جديد، إلى إعلان مرحلة جديدة في بناء الدولة المصرية.

منذ الإعلان عن العاصمة الإدارية الجديدة، انشغل كثيرون بالسؤال: لماذا تنفق الدولة كل هذه الاستثمارات؟ وهل كان الهدف مجرد إنشاء مدينة حديثة أو نقل الوزارات من القاهرة إلى موقع جديد؟ ومع مرور الوقت، بدأت الإجابة تتشكل على أرض الواقع؛ فالعاصمة لم تُبنَ لتكون مدينة إسمنتية متطورة فحسب، وإنما لتصبح مركزًا لإدارة دولة حديثة، تمتلك أدوات اتخاذ القرار، وتعتمد على التكنولوجيا، وتكامل المؤسسات، وسرعة الاستجابة لمختلف المتغيرات.

ومن هنا، جاء افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة ليكشف بوضوح عن أحد أهم أبعاد مشروع الجمهورية الجديدة؛ فالتنمية لم تكن يومًا منفصلة عن الأمن، كما أن الأمن لم يعد مفهومًا عسكريًا تقليديًا، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل حماية الاقتصاد، وضمان استمرارية مؤسسات الدولة، وتأمين البنية التحتية، وإدارة الأزمات بكفاءة، والحفاظ على استقرار المجتمع في مواجهة عالم تتزايد فيه التحديات بصورة غير مسبوقة.

لقد تغير العالم بصورة جذرية خلال العقد الأخير. فلم تعد الحروب وحدها هي التهديد، بل ظهرت تحديات أكثر تعقيدًا، من الأوبئة العالمية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية، وتعطل سلاسل الإمداد، وصولًا إلى حروب المعلومات ومحاولات التأثير على استقرار الدول من الداخل. وفي ظل هذه التحولات، أصبحت قدرة الدولة على إدارة الأزمة لا تقل أهمية عن قدرتها على الردع العسكري، بل إن الدول الأكثر نجاحًا هي تلك التي تمنع الأزمة قبل أن تتحول إلى تهديد حقيقي.

وخلال حضوري استعراض إمكانيات مجابهة الأزمات والكوارث، كان واضحًا أن الرسالة الأساسية لم تكن استعراض الإمكانات في حد ذاتها، وإنما التأكيد على جاهزية مؤسسات الدولة، وقدرتها على التنسيق والعمل المشترك، وسرعة اتخاذ القرار في مختلف السيناريوهات. وهي رسالة تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التحديات التي تواجهها الدول في القرن الحادي والعشرين.

كما أن اختيار العاصمة الإدارية الجديدة مقرًا لهذه المنظومة ليس أمرًا عابرًا، بل يعكس طبيعة المشروع بأكمله. فالعاصمة الجديدة صُممت منذ البداية لتكون عاصمة ذكية، تعتمد على البنية الرقمية، وتكامل شبكات المعلومات، والربط بين مؤسسات الدولة، بما يتيح بيئة أكثر كفاءة لإدارة القرار، ويمنح الدولة مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات.

ويكتسب هذا التطور أهمية مضاعفة في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات متلاحقة، وما يفرضه ذلك من ضرورة امتلاك مؤسسات قادرة على التنبؤ بالمخاطر، وإدارة الأزمات، والحفاظ على استقرار الدولة في أصعب الظروف. فالدولة التي تستطيع إدارة الأزمات بكفاءة، هي أيضًا الدولة الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وحماية اقتصادها، وتعزيز ثقة مواطنيها وشركائها.

إن ما نشهده اليوم يؤكد أن مشروع الجمهورية الجديدة لم يكن مجرد مشروع للبناء والتشييد، بل مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق معايير العصر. فشبكات الطرق، والمدن الجديدة، والتحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء القيادة الاستراتيجية للدولة، ليست مشروعات منفصلة، وإنما حلقات في رؤية واحدة تستهدف بناء دولة أكثر قدرة على التخطيط، وأكثر جاهزية للمستقبل.

وأعتقد أن الرسالة الأهم التي حملها هذا الحدث هي أن مصر لم تعد تنتظر التحديات حتى تتحرك، بل تبني مؤسساتها على أساس الاستعداد الدائم، واستشراف المستقبل، وإدارة المخاطر قبل وقوعها. وهذه هي الفلسفة التي تميز الدول القوية؛ دول لا تكتفي برد الفعل، بل تمتلك القدرة على صناعة الفعل.

فالقيادة الاستراتيجية للدولة ليست مجرد مبنى حديث، بل عنوان لمرحلة جديدة من التفكير المؤسسي، وتجسيد لرؤية تؤمن بأن قوة الدولة في هذا العصر لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما بقدرتها على توظيف هذه الإمكانات بكفاءة، وتحويل الرؤية إلى مؤسسات، والتخطيط إلى إنجاز، والطموح إلى قوة شاملة تحمي الوطن وتصون مقدراته، وتؤمن مستقبله في عالم لا يعترف إلا بالدول المستعدة دائمًا.