لا أدري كم مرّ من الوقت… على آخر مرّة مارست فيها طقوس الغوايةِ والسِحر، من نثر الحروف وترتيب الكلمات في صفوف؛ وتنسيق العبارات كالبنيان المصفوف. فهي بالنسبة لي لفوف أواري بها مشاعر قلب ملهوف، وأطمث بها أحزان عُمر ينقضي على رقع الدفوف، رحلة نمضي فيها بصحبةِ كل ما هو معروف، ولكن طوبى لعَلّاقة الظروف، التي لا تبدي غضاضة باتهامها أنها وراء هذا العزوف، على هذا الفعل المأسوف، الذي أمارسه عندما أشعر بالعجز تجاه واقعٍ مأزوم، أشعر بالحزن لذلك، فكيف أدعي الفَهم وأجوب كالتائهة في تلك المسالِك، التي يتسكع فيها اليأس بعنفوان وبأس، لكن سبحانه المالك فليغفر لي فأنا عبده الهالك.
فمُنذ أن وطأ آدم الأرض، كل ما عليها من أحداث وآثام، شخوص وأحلام، معطيات ونتائج، يتطابق بالطول والعرض. فالحياة كلها مراجعة على ما سبق دراسته، فالمنهج لم يتغير ولكن تطور الزمن انعكس على تطور أدواته، فلا زال وسيزال هو نفس المنهج بدروسِه واختباراتِه.
فليس هناك جديد في كل ما يدور، فالحياة ناسك في محراب نازق، أفكارها ثابتة معتقداتها صلدة؛ مبادئها جامدة ومشاعرها متجمدة. كَتَبَت مبادئها على أوراقٍ متجعدة، أصابها إصفرار السنوات المتعاقبة، لذا لم نُحسن القراءة، فلا داعِ لادعاء البراءة.
ولأننا بني جهول اعتقدنا أننا أساتذة في الإدارة فنحن أصحاب العقول، وأرباب الفتون ذوي الذكاء المفتون بدلال الإرادة صاحبة الفُتنة وصانعة الفِتنة، لذا لم نصرِف القليل من أعمارنا لنتدبر ولا اليسير منه لنُدبِر. تعاملنا مع الحياة كآلة، أو ما يشبه اقتناءك غسالة، تتدعِي المعرفة وتلقي بكتيب تشغيلها مع مقنياتك المبعثرة، وحين تعجز عن تشغيلها أو تُقصِر في أداء مهامها، فأول ما تفعل أن تسِب وتلعن، البائع الغشاش والصانِع الذي يستحق مدفع رشاش، أما أنت ضحية لتلك العالم المفترية، ولأنك غلبان فيكفي أنك ولدت إنسان أي نسي ونساي، لذا لن تتذكر هذا الكُتيب الذي يحمل الإجابة ويحل اللغز ويقدم ألف سبب، فالسَب أسهل من البحث عن سبب… كُلنا هذا الشخص يا للعجب!
ولأن الله كَتب على نفسه الرحمة دونَ غيرِه، وما حاجة العَبد لغيره، فأراد أن يرُد لي قلمي ويقيني وألقى بين يدي ما يُزيح الغشاوة عن قلبي ويُجلي روحي وعيني، فتعثرت "بأحمد" الذي أرسله الله ليذكرني أن أحمِد كل ما كان وأمتَن لكل ما سيكون وأقيم حربًا على كل الظنون فأنا في معية الرحمن فلمَ أبالي بما كان وسيكون!
أمسكت بقلمي في تلك اللحظة من السُكون، لأقص لكم عما فعله بي ابن مرسية والإبن الروحي للماريا الذي اتهموه بالكُفر ولاحقه الفَقر وعاش ممتلئ بالفَقد ولكن نصره الله عندما انتهت الأسباب فمد بصره للسماء، وعلم أن مدد الله آتٍ آت، فالرحلة مهما طالت قصيرة، والإخلاص في حب الله يجعلك تؤمن أنك أعمى وإن كنت ذو بصر ولكن بلا بصيرة، فهي التي تنقح السريرة وتحصن قلبك ضد بَسطة الدنيا الغرورة وابتسامتها الشريرة.
"ماريو وأبو العباس".. قراءة هذا الكتاب كانت هي سبب تلك السطور بالأساس، كنت أهفو للحروف لكن اللهث خلف استرضاء الدنيا ليمضي فقط اليوم بسلام، وبأقل قدر ممكن من الخسائر والآلام استنزف الشغف لجلال الكتابة، بل وصنع سدًا منيعًا بيني وبين بهاء القراءة، هذا الكتاب الذي بدأت قرائته مُنذ عام عندما اصطحبته معي في رحلة طويلة من قارة لقارة بعيدة. الهدف منها أن أهيم بين الأنام، أبحث في الوجوه عن العلامات التي تركتها الأيام، من الشقاء والرجاء، وقشوة العيون التي استودعوا فيها أحلام طالت السماء، والثنايا التي رسمها الزمان على المحايا كجب ينتظر الامتلاء بالفرح والهناء، وميناء يغادره بلا رجعة هذا المُسمى بالعناء؛ بعد أن يترك رسالة ممهورة بالشكر والثناء على حسن الأدب وكرم الضيافة أثناء فرض الاستضافة. فانشغلت بالأرواح الضيوف عن إلحاح الحروف، ومرّ العام وتذكرت الرحلة التي بدأتها بصفحات قليلة ونسيت ما جاء بها بفضل الأحداث الكثيرة، فعدت للبداية بنفس حائرة وكسيرة.
يستعرض الكتاب رحلة حياة العّلامة الزاهد المُرسي العابد، أبو العباس الذي استغنى عن الناس برب الناس، أحمد الذي ثار وغضب؛ سأل ولم يُجَب، لكنه حَمَد وشَكر، استغفر وتَرَك، تذلل للحي الذي لا يموت فجعل الله اسمه مرتبط عند أهالي الأسكندرية بقسمِه الذي منح اسمه العِزة والخلود، في البلد التي استقبلته وأكرمته ومنحته مالًا وعلمًا وزوجًا وسندًا، لكن من يقدر على حجب القَدَرِ! فالكراهية والبغضاء رفيقا النجاح والصِدق والاختلاف، قلوب شنعاء وأرواح سوداء مَكرَت للمرسي أبو العباس في كل خطواته ولكن مَكر الله أكبر من كُل أكبر.
حكاية المُرسي أبو العباس تأخذك لعالم القضاء والقدر، الابتلاء في الصَبر، البلاء في المال والوَلد، فقد الظهر والسند، رحلة بين اليأس والغَضب، الرضا والسخط، التوبة والعودة، كيف نحب الله وهل يحبنا الله؟ وإن أحبنا فلم يقسو علينا ألسنا عُباده وعيالِه! فهل يقسو الأب على الابن البار الذي تَعلَق وتَمسَك وصبر وتقبل القَدر!
نعم.. فما منع إلا ليمنح، وما حجب إلا ليحفظ، وما ابتلاك إلا ليرفع ذنبك وقَدرَك، فإذا تقربت إليه حُبًا لا خوفًا، وعبدته إخلاصًا وليس خلاصًا، وتقربت شوقًا للطفه وليس اتقاءً لبطشه، لشعرت كرمه في كل خطواتك، ورأيت نوره في أنفاسك وجلال سلطانه باختياراتك، ورحمته عند القضاء وفيضه المتضافر في القَدر ومنحه في المِحن، وعونه لك ليكفيك دهاء البشر.
لامست الرواية بداخلي وترًا لطالما ما سئلت عنه وكثيرًا ما اتهمت بالبدع والخروج عن النص لمجرد فكرة الطَرح، تساؤلات حائرة لكل من تحدث باسم الدين وأنه هو الوكيل الحصري لله في الأرض… لما تتحدث عن عذاب القبر بينما يمكنك أن تقُص جزاء الصبر! لماذا تصف غرام النار ألا يكفي أن تحكي ما يجعلنا نعشق ونشتاق الجنة! لماذا تسألني أن أعامل الله كما أتعامل مع حساب البنك! الحسنة بعشرة والحسابة بتحسب!
فالله الذي أعرفه يضاعف لمن يشاء بغير حِساب، يعفو ويغفر، يسامح ويصبر، أدخل الجنة باغية اسقت كلبًا وعاقب عابدة حبست قِطًا.. هو الله يفعل ما يشاء بواسع رحمته وليس ما تتمنى وتشاء بضيق نَظرِك، خلق الشئ وضده لنتعلم المخطئ من المُصلح، أنعم علينا بنعمة العقل لنتفكر، وأسبغ فضل الاختلاف لنرتقي، خلقنا شعوبًا وقبائل، جعلنا ألسُن متعددة وألوان مختلفة وأشكال عدة لنتقبل ونتقابل فنهتدي ولا نعتدي. فالله قادِرًا أن يخلقنا نسخ واحدة موحدة ومتوحدة، لكن هذا هو الاختبار أن نخطئ لنتعلم ونبتعد لنقترب ونثور لنهدأ، ونفكر لنصل ما لا يتصل إلا بطاقة حبه وشغف قربه.
"ماريو وأبو العباس" رواية بديعة للكاتبة الدكتورة ريم بسيوني بالرغم من بعض الملاحظات على البناء الأدبي والتركيبي للرواية وخاصة فيما يتعلق بحبكة صوت الراوي، لكن هذا لم يمس بديع حكاية المرسي أبو العباس والمهندس ماريو الذي أشرف على بناء مسجده.
قصة حياة أبو العباس هي قصة حياة كل الناس، فقوله الحق قد حَسَم ما لا يحتاج لقسم "وخلقنا الإنسان في كَبَد"، وما عاناه أبو العباس الصوفيّ الزاهد، والإمام الناسك الشاذلي أستاذه الذي ابتلي في بصره فقويت بصيرته، والشيخ القباري الذي علم أن ترك السبحة مسئولية ولكن إدراكها مسؤوليته أكبر وأصعب، وبالرغم أنه فقد ثلاث من حواسه لكن لم يهتز إحساسه، فاعتزل في ركن قصي لتكون خلوته مع الله وأنسه في القرب منه، ومن قبل ذلك إذا تدبرنا حياة الأنبياء والرُسل المليئة بالابتلاءات، سندرك حجم النِعم التي نغرق فيها بلا حمد ولا شكر بل ونشعر بالضجر، فالكَبد فرض لأنه حق الاختبار ودرب الاختيار الذي نحاسب ونؤجر عليه، فاللهم لا تحملنا مالا طاقة لنا به واصرف عنا شرّ ما لا نطيق شرّه، ولا تُسلط علينا من لا يخشاك فينا، ولا تجعل ابتلائنا في أبنائنا وذوينا.
ماريو والمرسي؛ وأنت وأنا كًلنا مبتلى، لكن من مِنا صَبر واحتسب، رضِي وامتثل، استسلم بلا استسلام، تقبَل دون غضب، نزل به أمر الله فزاد حبًا وعشقًا لجلال هذا الإله، الذي قدر ولطف، وسامح وغفر، وسعت رحمته قسوتنا، وتدارك بقوته عن ضعفنا، وتعالي جبروته عن حولنا الذي لا حول لنا إلا به، ولا قوة بنا إلا منه، فقط من أدرك ترك.. ومن انكسر لله جبره.. ومن فوضه نصره.. ومن ولاه تولاه.. ومن ذكره أدركه حفظه، وقد أدرك المرسي ذلك فأصبح الغائب الحاضر الذي تذكره مدينة بأسرها مع كل آذان يُؤذن بها، وهذا ما فعله ماريو المسيحي الذي عشق بناء المساجد فترك لنا ثروة قدرها 260 مسجدًا بناها في ربوع مصر، تِركة تليق بهذا العاشق المبتلى الهائم، فماذا عني وعنك.. فليرفع الله ما قضى ويلهمنا حُسن الأدب على تقبل ما انقضى.
يا إلهي في تلك الأيام المباركات تقبل منا القليل الذي نبذله، وأبدل ترح قلوبنا فرحًا، وسخط عقولنا الضيقة وسعًا، ربي لا تنزع عنا نعمة الصبر وبارك فيما قسمته من كنز الستر، وبارك في كل عطاياك التي اعتدناها فلم نشكر ونذكر ونهلل ونكبِر، يا نصيري لم نحسن عبادتك لكن حلمَك هو عادتك، يا رجائي صلني إليك وارزقني لذة القرب والوقوف بين يديك، وخذني بكرمك وليس بعملي فليس لدي ما اجروء به على النظر إليك، يا وليي لست من أولياءك الصالحين ولا عبادك الناسكين ولا إماءك الزاهدين، لكني أحبك يا أرحم الراحمين.
ربي ارحم واغفر، ارفع واصرف، بارك وأستر، مولاي ليس لي عمل ألقاك به لكن لدي عشم يجعلني اشتاق لذلك اللقاء، ضاقت الأرض يا حليم بما رحبت بما جنته أطماعنا فانزع الدنيا الفانية من قلوبنا، واجعلها وسيلة للقرب منك وليست غاية فنبتعد عنك، يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ارزقني زيارتك وحج بيتك وطواف كعبتك والسعي بين الصفا والمروة وسجدة في بيت نبيك، وخلوة قبل الفجر في صحن الحرم المكي، وركعتين في جوف الليل بصحن الحرم النبوي، ودعوة مستجابة تهون بها المصائب وترد بها ما لا نستطيع تحمله من مصائر، وتلهمنا صبرًا كصبر رسلك وأوليائك وعبادك الصالحين، فإن لم نكن منهم يا قابل التوب يسر لنا أن نكون في رحابِك صحبة معهم.
اعتاد السكندريين أن يتغنوا قائلين وأقروا الفاتحة لأبو العباس يا إسكندرية يا أجدع ناس، لذا سنقرأ الفاتحة ونهبها لكل الأولياء من بحري للصعيد ومن مصر لكل أرض مهما كانت بعيد، سنُصلي على كل الرُسل وسندعو لكل البشر، ونتبرك بآل البيت، ونُشفِع الصحابة والمرسلين، والصديقين والشهداء والعذراء سيدة النساء، فاللهم تقبل فلقد أقسمت بالعشر، سألتنا الدعاء ووعدتنا الإجابة، ونحن عبادك المتواكلين الطامعين في الاستجابة فأرضى عنا وراضينا بحق كتبك ورسلك، وأجبرنا بما يتعجب له أهل السماوات والأرض بحق لطفك ورحمتك وعفوك، يا حبيبي أشملنا بفضلك لا بعدلك… ويا رايحين للنبي الغالي ولبيت الله العالي الفاتحة والدعوة أمانة، وهنيئًا لكم وعقبالي.