كشفت نتائج دراسة دولية حديثة أن حرائق الغابات تسببت في خسائر بشرية واقتصادية واسعة النطاق في عدد من المناطق الأكثر ثراء في العالم خلال عام 2025، رغم انخفاض إجمالي المساحات التي التهمتها النيران عالميا.
وأوضحت الدراسة التي نقلتها صحيفة (الجارديان) البريطانية أن حرائق مدمرة اجتاحت مناطق في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وكوريا الجنوبية، متسببة في سقوط ضحايا وتدمير منازل ومرافق حيوية وفقدان وظائف ومصادر دخل، في حين بلغ إجمالي المساحات المحترقة على مستوى العالم نحو 335 مليون هكتار.
وأرجع الباحثون في الدراسة هذا الانخفاض العالمي بصورة رئيسية إلى التوسع الزراعي في إفريقيا، والذي أدى إلى تجزئة المشهد الطبيعي والحد من انتشار حرائق السافانا واسعة النطاق، ما ساهم في تقليص المساحات التي طالتها النيران.
وشهد عام 2025 عددا من الحرائق غير المسبوقة، من بينها حريق ضخم في اسكتلندا أتى على أكثر من 100 ألف هكتار، ليسهم في تسجيل المملكة المتحدة رقما قياسيا جديدا في المساحات المحترقة.
كما جاءت حرائق "باليسيدز" و"إيتون" في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية ضمن أكثر الحرائق تدميرا في تاريخ الولايات المتحدة.
وفي أوروبا، التهمت حرائق قياسية في إسبانيا والبرتغال أكثر من نصف مليون هكتار، بينما سجلت كوريا الجنوبية أكبر وأكثر مواسم حرائق الغابات فتكا في تاريخها.
وأظهرت الدراسة أن حرائق الغابات استحوذت على أكثر من 38% من إجمالي الخسائر المؤمن عليها الناجمة عن الكوارث المرتبطة بالطقس خلال عام 2025، في مؤشر على تصاعد التكلفة الاقتصادية للظواهر المناخية المتطرفة.
ومن جانبه، قال ماثيو جونز عالم المناخ بجامعة شرق أنجليا والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن عام 2025 أظهر أن انخفاض المساحات المحترقة عالميا لا يعني بالضرورة تراجع الأضرار، مشيرا إلى وجود فجوة متزايدة بين إجمالي المساحات التي تلتهمها الحرائق وبين حجم الخسائر البشرية والاقتصادية الفعلية.
وأضاف أن التغيرات في استخدام الأراضي أسهمت في تقليص المساحات المحترقة مقارنة بالمستويات التاريخية، إلا أن الاحترار العالمي يهيئ ظروفا تساعد على انتشار الحرائق، ولا سيما في المناطق المعروفة باسم "واجهة التماس بين البرية والعمران"، حيث تزداد المخاطر على السكان والممتلكات والبنية التحتية.
ووفقا للدراسة، ساهمت الظروف الجوية القاسية المرتبطة بارتفاع الانبعاثات الكربونية في تفاقم آثار العديد من حرائق العام الماضي.
ففي جنوب كاليفورنيا وكوريا الجنوبية، أدت الرياح القوية وجفاف الغطاء النباتي إلى دفع النيران نحو مناطق مكتظة بالسكان، ما أسفر عن خسائر بشرية استثنائية وعمليات إجلاء واسعة وأضرار كبيرة بالبنية التحتية.
وفي منطقة البحر المتوسط، ساهمت موجات الجفاف والحرارة الشديدة في اندلاع حرائق واسعة النطاق امتدت من البرتغال إلى تركيا.
وعلى الرغم من تراجع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرائق الغابات عالميا إلى ثالث أدنى مستوى مسجل، فإن كندا سجلت انبعاثات استثنائية ناجمة عن حرائق الغابات للعام الثالث على التوالي.
وأفادت الدراسة بأن الغابات الشمالية في أمريكا الشمالية أطلقت منذ عام 2023 ما يقرب من أربعة مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو حجم يتجاوز إجمالي الانبعاثات المسجلة خلال السنوات ال(15) السابقة مجتمعة.
وفيما يتعلق بالآثار الصحية، أشارت دراسة أخرى نشرت في سبتمبر الماضي إلى أن دخان حرائق الغابات في كندا خلال عام 2023 تسبب في وفاة نحو 82 ألف شخص نتيجة التعرض لتلوث الهواء، فيما امتدت آثار الدخان إلى مدن ومناطق في الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا.
وبدوره، قال عالم البيئة المتخصص في النظم الطبيعية بالبعثة البيولوجية في جاليسيا الإسبانية أدريان ريجوس إن أحداث العام الماضي أظهرت أن عددا محدودا من الحرائق الشديدة يمكن أن يهيمن على مجمل الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية لموسم الحرائق بأكمله.
وأضاف أن المؤشرات التي رصدتها الدراسة تتوافق مع ما تشهده دول جنوب أوروبا، حيث يزيد التغير المناخي من احتمالات حدوث ظروف جوية مواتية لاندلاع حرائق شديدة، فيما يسهم تراكم الغطاء النباتي الناتج عن تراجع الأنشطة الريفية في جعل العديد من المناطق أكثر عرضة لحرائق كبيرة وسريعة الانتشار.
وأكد ريجوس أن التحدي لا يقتصر على خفض عدد الحرائق، بل يشمل أيضا تعزيز قدرة المجتمعات والمناظر الطبيعية على الصمود والتكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة وتقليل آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن التحدي الرئيسي في مواجهة حرائق الغابات لا يقتصر على الحد من عددها أو المساحات المتضررة، بل يمتد إلى تعزيز قدرة المجتمعات والنظم البيئية على التكيف والصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة، بما يحد من آثارها البشرية والاقتصادية والبيئية المتزايدة.