مقدمة: الأرض المحروقة ولعنة المورد
حين تغيب الحكمة وتطغى شهوة السلطان، تتحول النعم الإلهية في كنف الصراعات البشرية من بواعث نماء وعمران إلى لعنة تحرق الأرض وتذر الديار بلاقع. هذا هو المشهد المأساوي الشاخص اليوم في السودان الشقيق منذ عام 2023؛ حيث يتجاوز الصراع الدامي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حدود التنافس العسكري التقليدي على مقار الحكم، لينصهر في أتون أعمق: أتون التنافس المحموم على الموارد، وبسط النفوذ، والتحكم في ثروات أرضٍ وُصفت يوماً بأنها سلة غذاء العالم، فإذا بها تئن تحت وطأة الرماد.
لقد أدى هذا النزاع المستعر إلى انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية التحتية، وشرد الملايين من أبناء الشعب السوداني ما بين نازح في الداخل ولاجئ في دول الجوار، في مأساة إنسانية تدمي القلوب. ولم تكن هذه الحرب لتستمر وتتمدد لولا أن الدولة السودانية تحولت، مع شديد الأسف، إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها مصالح إقليمية ودولية وعابرة للحدود، يبحث كل طرف فيها عن موطئ قدم أو حصة من ثروة تسيل لها لعاب القوى الكبرى والصغرى على حد سواء.
أولاً: جيوسياسية الذهب واقتصاد الحرب
في قلب هذه الديناميات المعقدة، يبرز "الذهب" كعامل محوري لا يمكن فهم مسارات الحرب وانعطافاتها بدونه. إن السودان، الذي يحتل موقعاً متقدماً بين الدول الإفريقية الأكثر إنتاجاً لهذا المعدن النفيس، وجد نفسه ضحية لثروته. فبعد تراجع عائدات النفط إثر انفصال الجنوب، بات الذهب هو الرئة الوحيدة التي يتنفس من خلالها الاقتصاد، والمصدر الأساسي للحصول على النقد الأجنبي (العملة الصعبة).
لكن المأساة تكمن في أن "تبر" الأرض لم يعد يبني مدارس أو يشيد مستشفيات، بل غدا وقوداً لآلة الموت. وتعتمد الأطراف المتحاربة بشكل حيوي على عائدات الذهب لتمويل عملياتها العسكرية، وشراء الولاءات، واستيراد العتاد. وما يعمق جراح الدولة أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج لا يمر عبر القنوات الرسمية لوزارة المالية أو البنك المركزي، بل يتدفق خارج الشرعية عبر شبكات تهريب عنكبوتية عابرة للحدود. هذا "الاقتصاد الموازي" أو "اقتصاد الحرب" يخلق طبقة من المستفيدين الذين يربطون بقاءهم واستمرار ثرائهم بإطالة أمد الصراع، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى في تصوير الجشع البشري المفضي إلى الهلاك:
{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]، وقوله سبحانه: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1-2].
إن غياب الاستخلاف الرشيد للمال وتحويله من وسيلة لإقامة العدل إلى أداة للبغي والعدوان هو أصل الداء في المشهد السوداني.
ثانياً: محاور النفوذ الإقليمي.. بين التجارة والوساطة والأمن القومي
تتعدد القوى الإقليمية المؤثرة في المشهد السوداني، وتتباين دوافعها بتفاوت مواقعها ومصالحها:
1. دولة الإمارات العربية المتحدة
تظهر المعطيات الاقتصادية أن دولة الإمارات تمثل شريكاً تجارياً رئيسياً لقطاع الذهب السوداني، وتستحوذ على نسبة ضخمة من الصادرات الرسمية للمعدن الأصفر، مستندة إلى مكانتها كمركز عالمي رائد في تجارة وتصنيع الذهب. ومع ذلك، فإن هذا الدور الاقتصادي المتعلق بتدفقات الذهب أثار الكثير من اللغط والجدل في المحافل الدولية، لا سيما في ظل صدور تقارير أممية وحقوقية تحذر من تسرب "ذهب النزاعات" من المناجم السودانية غير الخاضعة لرقابة الدولة إلى الأسواق العالمية. ومن جانبها، تحرص السلطات الرسمية في أبوظبي على نفي تقديم أي دعم عسكري لأي طرف من أطراف النزاع، مؤكدة التزامها الدبلوماسي بالحلول السياسية ودعم الإغاثة الإنسانية.
2. الجمهورية الإسلامية الإيرانية
على المقلب الآخر، تشير القراءات الاستراتيجية إلى أن الدور الإيراني في هذه الحرب لا يزال محدوداً ونوعياً مقارنة بغيره؛ إذ يتلخص هذا الحضور في تقديم دعم تقني وعسكري محدد للجيش السوداني، برز بشكل واضح في تزويده بالطائرات المسيرة (الدرونز) التي غيرت بعض المعادلات الميدانية مؤخراً. وتتحرك طهران في هذا السياق مدفوعة برغبة جيو-سياسية قوامها محاولة إيجاد نفوذ أو إطلالة على منطقة البحر الأحمر الاستراتيجية، دون أن تكون فاعلاً أساسياً في التمويل الضخم للحرب أو توجيه مساراتها الاقتصادية الكبرى.
3. جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية
أما الموقف المصري، فيتحرك من منطلق الثوابت التاريخية والجغرافية، حيث تدعم القاهرة مؤسسات الدولة الوطنية المتمثلة في الجيش السوداني؛ انطلاقاً من اعتبارات حتمية للأمن القومي المصري. فالبلدان يربطهما شريان حياة واحد وهو نهر النيل، وحدود برية ممتدة، وأمن قومي لا يقبل التجزئة. وفي المقابل، تتبنى المملكة العربية السعودية استراتيجية "الدبلوماسية الهادئة والوساطة السياسية"، إذ احتضنت "منبر جندة" واستضافت جولات تفاوضية متعددة بين أطراف النزاع، سعياً لرأب الصدع وحقن الدماء وحفظ بيضة الدولة السودانية من الانهيار التام.
ثالثاً: القوى الدولية وأوراق اللعبة الاستراتيجية
لا ينفصل الداخل السوداني عن صراع "العوالم الكبرى" على أفريقيا؛ فروسيا الاتحادية تسعى جاهدة لترسيخ وتوسيع نفوذها في القارة السمراء، وتضع نصب عينيها ثروات السودان الطبيعية وعلى رأسها الذهب. فضلاً عن حلم موسكو القديم المتجدد في الحصول على موطئ قدم بحري (قاعدة لوجستية) على ساحل البحر الأحمر. ولتحقيق هذه المآرب، استفادت روسيا من توظيف شبكات وشركات أمنية خاصة (مثل بقايا فاغنر أو الفيلق الأفريقي) لإدارة مصالحها في مناطق التعدين.
في المقابل، تقف الولايات المتحدة الأمريكية متسلحة بأدوات الضغط الدبلوماسي التقليدي، عبر فرض حزم من العقوبات الاقتصادية المستهدفة لشركات وقادة من كلا طرفي الصراع. وتهدف واشنطن من وراء هذه التحركات إلى الحد من التداعيات الإنسانية الكارثية للحرب من جهة، ومنع خصومها الدوليين (روسيا والصين) والإقليميين (إيران) من ملء الفراغ الاستراتيجي وتوسيع نفوذهم في هذا الموقع الحاكم من العالم.
رابعاً: دول الجوار واللوجستيات المظلمة
وفي هذا السياق المعقد، لا يمكن إغفال الأدوار اللوجستية التي تلعبها بعض دول الجوار الضعيفة أو المخترقة أمنياً. فقد تحولت حدود بعض هذه الدول إلى ممرات آمنة وطرق سالكة لتهريب السلاح إلى الداخل، وتهريب الذهب إلى الخارج. هذه الأدوار اللوجستية المظلمة تسهم بشكل مباشر في صب الزيت على النار، وتزيد المشهد تعقيداً، وتمنح أطراف الصراع القدرة على الصمود العسكري، مما يطيل أمد الحرب ويعمق تداخل المصالح الإقليمية ويجعل من الحل السياسي أمراً مستعصياً في المدى المنظور.
خاتمة: سنن الله في البغي واقتصاد الحرب
إن ما يشهده السودان اليوم هو تجسيد حي وصارخ لما يسمى في العلوم السياسية الحديثة بـ "اقتصاد الحرب"، حيث يصبح استمرار القتال مشروعاً استثمارياً لبعض القوى والشخصيات، وحيث يرتبط مسار الصراع ارتباطاً طردياً بالقدرة على التحكم في الموارد والأرض. ويظل الذهب هو العامل الحاسم والوقود السائل الذي يغذي الشرايين المالية لهذه الحرب ويحدد مآلاتها.
بيد أن القراءة القرآنية والسننية للتاريخ تؤكد أن أموال البغي والفساد، وإن أطالت أمد المعارك، فإن عاقبتها إلى زوال ومحق، فالمال الذي يُجمع من دماء الأبرياء ودموع الثكالى هو مال سحت لا بركة فيه، ويصدق فيه وعيد الحق سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36].
إن المخرج الوحيد للسودان من هذه التيه هو أن تدرك الأطراف المتحاربة أن ثروات هذا البلد هي ملك لأجياله، وأن استباحة الدماء من أجل بريق الذهب هي خيانة للأمانة التي حملها الإنسان. وحفظ وحدة السودان وسلامة أراضيه وحياة مواطنيه هي المقصد الشرعي الأسمى الذي يجب أن تتلاشى أمامه كل مطامع السلطة والنفوذ.