أحدثت ثورة 23 يوليو 1952 نقلة حضارية وتنويرية كبرى في مصر، دشّنت تحولاً جذرياً في بنية المجتمع وصاغت هويته الثقافية من جديد ،فلم تعد الثقافة بعد هذا التاريخ امتيازاً محصوراً في يد النخبة، بل تحولت إلى حق مكفول لكل مواطن يرتكز على مبادئ العدالة الثقافية ، وقد وضعت الثورة المهمة التنويرية وتشكيل الوجدان الجمعي في صدارة أولويات الرئيس جمال عبد الناصر لترسيخ القوة الناعمة المصرية.
وتجسد هذا التوجه بتأسيس وزارة الإرشاد القومي عام 1952، والتي تطورت عام 1958 لتصبح وزارة الثقافة والإرشاد القومي بقيادة الدكتور ثروت عكاشة، صانع النهضة الثقافية الحديثة ، ونجحت الوزارة في نقل الإبداع من القصور المغلقة إلى قلب الشارع المصري عبر قلاع فنية، وعلمية، وأثرية ممتدة، شكلت حائط صد لحماية الهوية المصرية والعربية.
وفي سبيل تحقيق هذه الرؤية، جرى إرساء دعائم بنية تحتية ثقافية صلبة، بدأت بتأسيس الهيئة العامة لقصور الثقافة في مختلف أنحاء الجمهورية الوليدة، التي استهدفت نشر الوعي والفنون في الأقاليم والقرى، وإيصالها إلى الفئات المهمشة خارج العاصمة، لتصل الثقافة بمفهومها الأشمل إلى قلب الشارع المصري والعربي.
وقد أدركت الثورة مبكراً دور الفن والعلم الأكاديمي في تشكيل الوعي، فشُيد صرح أكاديمية الفنون وضمت الأكاديمية تحت مظلتها معاهد عليا متخصصة أحدثت طفرة تعليمية وفنية غير مسبوقة، وفي مقدمتها المعهد العالي للسينما، والمعهد العالي للموسيقى ،ومعهد الفنون المسرحية، ومعهد للباليه، ونجحت هذه المنظومة في أعادة صياغة مسار الفنون والثقافة المصرية على أسس علمية رصينة.
ولم تتوقف الروافد الثقافية عند حدود الفنون البصرية والمسرحية، بل امتدت لتشمل الفكر والأدب، حيث تبنت الدولة مشروعاً ضخماً للترجمة والتأليف، وأطلقت حركة نشر وُصفت بأنها الأضخم في تاريخ مصر الحديث، وتجلى ذلك في مشاريع عملاقة أبرزها مشروع الألف كتاب، وهو المشروع الرائد الذي تولى ترجمة أمهات الكتب العالمية في العلوم والآداب والتاريخ إلى اللغة العربية بهدف تبسيط المعرفة وإتاحتها للجميع.
وتُوّجت هذه الجهود بتأسيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، لتصبح المنصة الرسمية الكبرى لطباعة الفكر الإنساني وتوفيره بأسعار زهيدة تجعل من القراءة غذاءً يومياً متاحاً لكل فئات المجتمع.
ولم يكن غريباً أن يمتد اهتمام الدولة إلى صناعة السينما باعتبارها شاشة الوعي، فتدخلت لدعمها عبر تخصيص بند مستقل لها في الميزانية العامة للدولة لأول مرة، وتأسست المؤسسة المصرية العامة للسينما لتكون واحداً من أبرز روافد القوة الناعمة، وبذلك تحولت الشاشة الفضية إلى مرآة تعكس قضايا المجتمع، وتعبر عن الهوية والتحولات الاجتماعية بما يتسق مع إستراتيجية الدولة داخلياً وخارجياً.
ويأتي بعدها إطلاق التلفزيون العربي بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر، ليمثل ثورة إعلامية وتنويرية داخل كل بيت من المحيط إلى الخليج ، ولعب التلفزيون بالتكامل مع الإذاعة المصرية العريقة، دوراً محورياً في هذا المشروع التنويري، عبر بث برامج ومسلسلات، وأعمال درامية وتاريخية ساهمت في نشر التعليم وتوحيد الثقافة العربية، مما كرّس القاهرة مركزاً رئيساً ومنارة للإشعاع الفكري في المنطقة بأسرها.
وتكاملت هذه المنظومة الإبداعية لتصنع من فترة الستينيات العصر الذهبي للمسرح المصري، حيث تحول المسرح إلى أداة حية للتعبير عن الهوية والوعي الجمعي ،وظهر مسرح التلفزيون إلى جوار المسرح القومي، مما خلق مناخاً مسرحياً غير مسبوق برزت فيه روائع كتاب كبار سطروا تاريخ الأدب المسرحي، أمثال نعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج.
وتوازى هذا الزخم المسرحي مع تحرك جاد لترسيخ الهوية وإحياء الفنون الشعبية والتراثية، فكان تأسيس فرقة رضا والفرقة القومية للفنون الشعبية ،خطوة رائدة لتوثيق التراث المصري الأصيل وتقديمه للعالم كأداة فاعلة للدبلوماسية الثقافية.
وشهدت حقبة ما بعد الثورة اهتماماً غير مسبوق بالآثار، وتُوج هذا الفكر التنويري بملحمة إنقاذ آثار النوبة، حيث قادت وزارة الثقافة، بالتعاون مع منظمة اليونسكو، أكبر حملة دولية في التاريخ لإنقاذ معابد أبو سمبل وفيلة من الغرق أثناء تشييد السد العالي، في إنجاز ثقافي وهندسي أبهر العالم وحفظ إرث الإنسانية.
ثورة 23 يوليو مثلت نقطة تحول جذرية في تاريخ مصر الحديث، وأعادت بناء العقل والوجدان المصري والعربي برؤية آمنت بأن التحرر السياسي لا يكتمل إلا بالتحرر الثقافي والفكري ، وبرهنت للتاريخ على أن استثمار الدولة في الثقافة هو الضمانة الحقيقية لبناء الإنسان والارتقاء بالمجتمع.