في كل مكان تقريبا ستجد هذه الشخصية، شخصية الواعظ الذي لا يمل من اعطاء الدروس والنصائح للناس. يراقب تصرفات الجميع ويحلل اخطاءهم ويقدم نفسه على انه صاحب الحكمة والخبرة والرؤية الصحيحة. لا يترك موقفا الا وكان له فيه رأي، ولا يسمع مشكلة الا وكان لديه حل جاهز لها. لكنه في الحقيقة ابعد ما يكون عن الصورة التي يحاول رسمها لنفسه.
الواعظ لا يعيش على مبدأ ثابت، بل يتغير حسب المكان والاشخاص والمصلحة. تراه اليوم يتحدث عن قيمة معينة وكأنها خط احمر لا يمكن تجاوزه، ثم تراه غدا يتخلى عنها بسهولة عندما تتعارض مع رغباته. يتلون مثل الحرباء، ويبدل مواقفه كما يبدل كلماته، لكنه يصر دائما على الظهور في صورة الرجل الحكيم الذي لا يخطئ.
اذا جلست معه سمعته يتحدث عن الصدق، لكنه لا يجد حرجا في تحريف الحقائق عندما تخدمه. يتكلم عن الوفاء بينما ينسى كل من وقفوا بجانبه عند اول فرصة تحقق له منفعة. يدعو الى الاحترام وهو اول من يجرح الناس بكلمة او يقلل من شأنهم خلف ظهورهم. يظهر الحب في وجهك، لكن افعاله تقول شيئا مختلفا تماما.
ومن اخطر ما يميز هذه الشخصية انها تمتلك اجابة لكل شيء. لا يعترف بخطأ ولا يقبل نقدا. مهما واجهته بحقيقة واضحة سيجد مبررا جاهزا. ومهما كشفت تناقضا في كلامه سيحاول تحويل الحديث الى موضوع اخر. لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الانتصار في النقاش. يريد دائما ان يكون على حق حتى لو كان يعلم في داخله انه مخطئ.
الواعظ يعيش على الكلمات اكثر مما يعيش على الافعال. يرفع شعارات كبيرة عن الاخلاق والمبادئ لكنه لا يطبق منها الا ما يناسبه. يتحدث عن العدل عندما يكون مظلوما، وينساه عندما يكون هو صاحب القوة. يطالب الناس بالتسامح عندما يخطئون في حقه، لكنه لا يسامح بسهولة اذا اخطأ احد في حقه. يرى الدنيا بمعيارين، واحد لنفسه وواحد لبقية الناس.
والغريب ان بعض الناس قد تنخدع به لفترة. اسلوبه قوي وكلامه منمق وثقته بنفسه كبيرة. لكنه مع الوقت ينكشف. فالكلمات مهما كانت جميلة لا تستطيع ان تخفي الحقيقة الى الابد. والناس قد تصدق الكلام مرة، لكنها تصدق الافعال دائما. ومع تكرار المواقف يظهر الفرق بين من يتحدث عن المبادئ ومن يعيش بها.
الحياة علمتنا ان اكثر الناس حديثا عن الكمال ليسوا بالضرورة الاقرب اليه. وان اكثر من يوزعون النصائح قد يكونون اكثر الناس احتياجا لها. فالانسان الحقيقي لا يشغل وقته كله بمراقبة اخطاء الاخرين، بل ينشغل اولا باصلاح نفسه. ولا يحرص على الظهور في صورة الواعظ بقدر ما يحرص على ان يكون قدوة بالفعل.
وفي النهاية يبقى الواعظ مجرد صوت مرتفع اذا لم تدعمه الافعال. فالمواقف هي التي تكشف المعادن، والايام هي التي تفضح الاقنعة. اما الانسان الصادق فلا يحتاج الى ان يخبر الناس كل يوم بفضائله، لان تصرفاته تتحدث عنه في كل وقت، وتقول ما تعجز عنه آلاف الكلمات.