لدينا في مصر عادة لافتة؛ عندما يقرر أحدهم أن ينزل من المركب نسأله بفضول: «إلى أين أنت ذاهب؟»، ونغفل تماماً السؤال الأصعب والأهم: «ما الذي جعل البقاء تعذيباً والمغادرة نجاة؟».
هذا بالضبط ما حدث مع محمد الشامي، لاعب منتخب مصر للمصارعة الحرة. شاب بدأ رحلته على بساط الرياضة في السابعة من عمره؛ ينزف عرقاً لسنوات، يرفع علم بلاده في المحافل القارية، ويحلم بميدالية أوليمبية. فعل كل ما نطالب به الشباب يومياً: احلم، اجتهد، ثابر، وقدم التضحيات.
ثم اصطدم بالحائط الحقيقي وسأل نفس السؤال الذي يخفيه آلاف الشباب:
«لو قعدت 15 سنة كمان في نفس المكان، مش هعرف أجيب شقة أتجوز فيها!»
هنا تحديداً يجب أن نتوقف.
محمد الشامي ليس المشكلة، الشامي هو الصوت الذي انطلق من جهاز الإنذار.
هو عرض لمرض أعمق يكشف عن زاوية مظلمة:
ماذا يحدث عندما ينجح الإنسان بكل الشروط الممكنة، ثم يكتشف أن كل هذا النجاح لا يكفي حتى لبناء كفاف يومه أو سقف يستتر تحته؟
البطل الذي لا يملك مستقبله
نحن بارعون للغاية في صناعة "لحظة التتويج"، لكننا نجهل تماماً كيف نصنع "حياة ما بعد البطولة".
نلتقط الصور التذكارية، نصفق، ونحتفي بالبطل.. ثم تنفض الصالة وتبدأ الحياة الواقعية، فيسأل اللاعب نفسه: «وماذا بعد؟».
الميدالية الأوليمبية لا تدفع إيجار شقة، وصور الاحتفال لا تؤسس أسرة، وعلم البلاد الذي رُفع بجهد مضنٍ لا يضمن علاجاً للاعب إذا داهمته إصابة في الركبة أنهت مسيرته في لحظة. نطلب من الشاب أن يقدم زهرة شبابه، وعندما يسقط، نتركه يخوض معركته المعيشية بمفرده.
لم يبتكر الشامي هذا الخيار، هو فقط أحدثهم صوتاً؛ فقد سبقه أطباء يغادرون المهن الطبية بمعدل يتجاوز آلاف الاستقالات سنوياً، ومهندسون ومبرمجون وباحثون يملكون مهارات استثنائية، لكنهم يجدون أنفسهم أمام معادلة اقتصادية صفرية.
تختلف القطاعات، لكن الجملة التي يتردد صداها واحدة:
«أنا مش عايز أمشي... بس مش شايف مستقبلي هنا.»
هذه الجملة لم يفك صاحبها ارتباطه العاطفي ببلده، بل طُرد من حلم البقاء.
اكتشف أن شهادته، وخبرته، وسهر الليالي، لا تضمن له المظلة الاجتماعية والتأمين المفترض في حدوده الأدنى.
لكن السؤال المحرج: كم سنة احتياطية يحملها الشاب في بنك عمره؟
هناك فرق شاسع بين أن تقول لإنسان: «انتظر، المستقبل أفضل»، وبين أن تطالبه بتأجيل استقراره وحقه في تكوين أسرة إلى أجل غير مسمى.
فالسعي دون ناتج ملموس لا يسمى صبراً، بل يسمى استنزافاً. وخاصة إذا كان الشباب لا يبحث عن ثراء فاحش، بل يبحث عن العائد العادل لجهده.
عندما يتحول السفر إلى أداة وحيدة للنجاة، تكون المشكلة في البيئة التي جعلت من البقاء تضحية غير محسوبة العواقب.
الشاب لا يقارن بين راتبين، بل يقارن بين مسارين للحياة : مسار يمنحه خطة واضحة واستقراراً، ومسار يتركه طوال الوقت على مسافة خطوة واحدة من العوز عند أول أزمة صحية أو تعثر وظيفي.
فهل التعليم والاجتهاد والتميز يؤدون إلى حياة كريمة في هذا المجتمع؟؟
إذا كانت الإجابة نعم، فسيتمسك الجميع بالبقاء.
أما إذا استمرت النتيجة: "اجتهدت وتفوقت.. ثم تأخرت"، فمن الطبيعي أن يبحث الإنسان عن معادلة أخرى تحترم طاقته.
الحل لن يكون أبداً بوعظ الشباب عن الوطنية، ولا بمحاولة إغلاق المنافذ ، فالوطن القوي لا يُبنى بالاحتجاز، بل بالجاذبية.
المطلوب أن يصبح البقاء اختياراً بملء الإرادة، لا مصيدة يقع فيها من لا يملك ثمن التذكرة.
محمد الشامي لم يهرب... بل ضرب جهاز الإنذار بقوة ورحل.
فهل نستوعب الرسالة هذه المرة ، أم نواصل النوم في العسل؟