كنت أتابع خطاب كيفن وارش في جاكسون هول، وفكرت أن المسافة بين ذلك المكان والقاهرة تبدو أكبر بكثير مما هي عليه في الحقيقة. هناك، تُناقش أسعار الفائدة والتضخم ومسار السياسة النقدية الأميركية؛ وهنا في العاصمة المصرية، قد تتحول الكلمات نفسها إلى تكلفة تمويل أعلى، أو ضغط على تدفقات النقد الأجنبي، أو اختبار جديد لقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. لهذا لم أتعامل مع خطاب وارش باعتباره مجرد حديث أميركي عن الاقتصاد الأميركي، فما يهمني أكثر هو ما قد يصل منه إلى القاهرة، وما إذا كانت مصر تدخل المرحلة المقبلة وهي أكثر قدرة على امتصاص موجات السياسة النقدية العالمية، أم أن كل تشديد جديد في الولايات المتحدة سيعيد فتح الأسئلة القديمة نفسها حول الدولار، والتمويل الخارجي، وتدفقات النقد الأجنبي.
رسالة وارش كانت واضحة خفض الفائدة الأمريكية ليس أمراً مضموناً ولا قريباً بالضرورة الأسواق التقطت الرسالة سريعاً؛ ارتفعت توقعات رفع الفائدة في سبتمبر، وأنهت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر جلسة الجمعة أغسطس عند 4529.90 دولاراً للأونصة، بانخفاض يومي بلغ 2.9 نقطه مئوية، فيما صعد الدولار إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع، ما زاد الضغط على المعدن الأصفر.
وهنا تبدأ القصة التي تهمنا فإذا استمرت معدلات الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، سيظل الدولار وعوائد السندات عامل ضغط على الأسواق الناشئة، وسترتفع تكلفة التمويل الخارجي. وبالنسبة لمصر، يعني ذلك أن جذب رأس المال سيحتاج إلى عائد أكبر، بينما يصبح الاقتراض نفسه أكثر تكلفة.
وهنا تقدم أذون الخزانة المصرية المثال الأوضح. ارتفاع العائد يساعد الدولة على تدبير احتياجاتها التمويلية، وهو أمر مهم في مرحلة حساسة، لكنه في الوقت نفسه يعمل على رفع فاتورة خدمة الدين. فما يراه المستثمر عائداً جذاباً، تراه الموازنة تكلفة كان يمكن توجيه جزء منها إلى الاستثمار والإنتاج والتعليم والصحة وبرامج وأنظمة الحماية الاجتماعية.
ومن ناحية أخرى، للفائدة المرتفعة وجه آخر فالمدخر يستفيد، لكن المنتج يدفع الثمن؛ حيث أن العائد المرتفع على المدخرات يقابله ارتفاع في تكلفة الاقتراض، وتأجيل لبعض الاستثمارات، وضغط أكبر على قدرة الشركات على التوسع والإنتاج.
ستتركز الأنظار خلال الأيام القليلة القادمة على البيانات الأميركية المقبلة، وما إذا كانت ستؤكد قراءة وارش للاقتصاد والتضخم. فاستمرار قوة الطلب وضغوط الأسعار قد يبقيان رهانات رفع الفائدة مرتفعة، ويواصلان الضغط على الذهب، بينما قد تمنحه بيانات أضعف أو تراجع الدولار والعوائد متنفساً، دون أن يعني ذلك عودة الصعود تلقائياً.
وفي المقابل، تظل الجيوسياسة عاملاً داعماً للطلب على التحوط؛ فتصاعد التوترات يعزز جاذبية الذهب، بينما قد يحد انحسارها من الإقبال عليه. وهكذا يبقى المعدن عالقاً بين ضغط الفائدة المرتفعة ودعم المخاطر، وستحسم البيانات والتطورات المقبلة أيهما ستكون له الغلبة.
وفي مصر تصبح المعادلة أكثر تعقيداً حيث يحدد سعر الذهب المحلي وفقًا لسعر الذهب العالمي مضروباً في سعر الدولار بالجنيه. لذلك قد تهبط الأوقية في نيويورك بينما يبقى الذهب مرتفعاً في القاهرة إذا تراجع الجنيه. ومن هنا فإن المشتري المصري لا ينبغي أن يراقب الذهب وحده؛ عليه أن يراقب الدولار أيضاً. ولهذا أتوقع في المرحلة المقبلة تذبذباً واضحاً ما بين تصحيح عالمي إذا طال أمد الفائدة المرتفعة، وفى ذات الوقت مقاومة أكبر للهبوط في مصر إذا ظل سعر الصرف عاملاً داعماً. وربما يكون الشراء على دفعات عند التراجعات أكثر تحفظاً من مطاردة الأسعار عند القمم. لكن الذهب يعيدنا إلى السؤال الأكبر فقد يحمي مدخرات المواطن، وقد يمنح الدولار غطاءً، وقد يوفر الدين للدولة وقتاً إضافياً. لكن أياً منها لا يبني اقتصاداً.
وبالنسبة للحالة المصرية فقد مصر حققت خلال السنوات الأخيرة قدرة أفضل على إدارة الصدمات، وتحسنت احتياطاتها وسيولتها الخارجية، لكن التحدي الآن هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على عدم العودة إليها. نحتاج إلى صادرات ذات قيمة مضافة، وإنتاج يقلل فاتورة الاستيراد، واستثمار منتج، وهيكل دين أقل اعتماداً على التمويل القصير. قد لا يعرف وارش أين تقع أسوان، لكن رسالته وصلت إلى القاهرة "عصر الأموال الرخيصة قد يتأخر"، والسؤال الحقيقي لم يعد كيف نحصل على تمويل أرخص؟ بل كيف نبني اقتصاداً يحتاج إلى تمويل خارجي أقل؟ فالذهب يحمي المدخرات، لكن الإنتاج هو الذي يصنع الثروة.