قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب : الدراما التي تشبهنا

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

بعيدًا عن الصراخ والخيانة.. هل يشتاق الجمهور المصري إلى دراما أكثر هدوءًا؟
بينما تبني بعض الدراما اليابانية حكاياتها على التفاصيل اليومية والوحدة والعمل والعلاقات الإنسانية البسيطة، يظل السؤال مطروحًا، هل يمكن للدراما المصرية أن تمنح الحكايات الصغيرة مساحة أكبر، من دون أن تفقد قدرتها على جذب الجمهور؟


هل يحتاج المسلسل إلى جريمة، وخيانة زوجية، وصراع على الميراث، وحادث مفاجئ، وعداوة تمتد عشرين حلقة حتى يشعر المشاهد بأن أمامه «دراما حقيقية»؟


ربما اعتدنا هذا الإيقاع إلى درجة أن الحكاية الهادئة أصبحت تبدو مخاطرة. شخص يستيقظ صباحًا، يذهب إلى عمله، يعود إلى منزل خال، يحاول إصلاح علاقة قديمة أو تكوين صداقة جديدة؛ للوهلة الأولى لا يبدو أن هناك ما يكفي لصناعة مسلسل. لكن تجارب درامية ناجحة، خصوصًا في اليابان، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا؛ الحياة اليومية نفسها قد تكون حدثًا دراميًا، إذا عرف الكاتب كيف ينظر إليها.


في نوع يعرف باسم Slice of Life، أو «شريحة من الحياة»، لا تبحث الدراما بالضرورة عن الأحداث الاستثنائية، وإنما تقترب من الإنسان في أكثر لحظاته عادية.


مسلسل مثل Midnight Diner  بنى عالمًا كاملًا حول مطعم صغير يفتح أبوابه ليلًا، يدخل إليه أشخاص مختلفون، يحمل كل منهم حكاية تبدو بسيطة، لكنها تكشف شيئًا عن الوحدة والحب والفقد والندم والعلاقات الإنسانية.


وفي أعمال يابانية أخرى، نجد موظفين عاديين، أشخاصًا يعيشون بمفردهم، علاقات تتغير مع العمر، مشكلات العمل، الأسرة، وحتى الصمت؛ تفاصيل ربما تمر في مسلسل عربي سريع باعتبارها مجرد مشاهد انتقالية، بينما تصبح هناك قلب الحكاية.


ولا يعني ذلك غياب الصراع. الصراع موجود، لكنه قد يكون أكثر هدوءًا؛ امرأة تخشى أن تبدأ من جديد، رجل يكتشف أن حياته كلها كانت عمله، ابن لا يعرف كيف يتحدث مع والده، شخص يحاول أن يتصالح مع وحدته.


وهل حياتنا المصرية تفتقر إلى هذه الحكايات؟
العكس تمامًا.


ربما تمتلك مصر مادة هائلة لهذا النوع من الدراما.


ماذا عن امرأة تجاوزت الأربعين ووجدت نفسها مضطرة لإعادة بناء حياتها؟ ماذا عن أب تقاعد واكتشف فجأة أن أبناءه أصبح لكل منهم عالمه الخاص؟ ماذا عن شاب يغادر منزل أسرته للمرة الأولى ويبدأ في اكتشاف معنى أن يعيش وحده؟ أو مجموعة جيران يسكنون عمارة قديمة في الإسكندرية، لا تجمعهم مؤامرة كبرى وإنما سنوات من التفاصيل والذكريات والتغيرات الصغيرة؟


لدينا المقاهي، والمواصلات، والمكاتب الحكومية، والشركات، والعمارات القديمة، والأسواق، والبحر، والعائلات الممتدة، والعلاقات بين الأجيال. لدينا تفاصيل اجتماعية تكفي لصناعة عشرات العوالم الدرامية من دون الحاجة إلى إضافة جريمة قتل في الحلقة الخامسة لكي تستمر الحكاية.


المشكلة ليست في نقص القصص، وإنما ربما في تعريفنا لما يستحق أن يكون قصة.
الجمهور لا يرفض الهدوء.. لكنه يرفض الملل
وهنا يجب التمييز بين أمرين.
الدراما الهادئة ليست دراما بلا أحداث، والحكاية البسيطة لا تعني سيناريو بلا إيقاع.
أصعب ما في هذا النوع أن الكاتب لا يستطيع الاختباء خلف المفاجآت. عندما لا توجد مطاردات أو ألغاز أو أسرار كبرى، يصبح كل شيء معتمدًا على قوة الشخصية والحوار والتفاصيل. نظرة قد تصبح أهم من مشاجرة. ومكالمة هاتفية مؤجلة منذ سنوات قد تحمل وزنًا أكبر من حادث سيارة. وتغير صغير في علاقة شخصين يمكن أن يكون هو «الحدث» الذي ينتظره المشاهد. ولهذا نجحت الدراما الهادئة في أفضل صورها، وفشلت حين تحولت إلى بطء بلا معنى.


إشارات مصرية تقول إن الباب مفتوح


الجمهور المصري نفسه أثبت أكثر من مرة أنه قادر على متابعة أعمال لا تعتمد بالكامل على الوصفة التقليدية.


أعمال مثل «بالطو» مثلًا جذبت الجمهور من عالم شديد البساطة في ظاهره؛ طبيب شاب يجد نفسه في وحدة صحية بإحدى القرى. قوة العمل لم تأت من مؤامرة ضخمة، لكن من الشخصيات والمواقف والتفاصيل والمكان.
كما أن صعود المسلسلات القصيرة على المنصات أعطى مساحة لحكايات أكثر تركيزًا، بعيدًا عن ضرورة مط كل فكرة لتصل إلى ثلاثين حلقة.
وهذه نقطة مهمة، لأن دراما التفاصيل تحتاج غالبًا إلى مساحة تناسب قصتها. حكاية تصلح لثماني حلقات قد تفقد سحرها تمامًا إذا طُلب منها أن تعيش ثلاثين.


ربما نحتاج إلى «بطولة الإنسان العادي»


لسنوات طويلة، ارتبطت البطولة الدرامية بالشخصية الاستثنائية؛ رجل أعمال شديد النفوذ، عائلة شديدة الثراء، مجرم خطير، ضابط يطارد عصابة، أو شخصية تعيش أزمة غير عادية.


لكن ماذا لو أصبح بطل المسلسل شخصًا يمكن أن نجلس إلى جواره في المواصلات كل صباح؟


ليس لأنه يخفي سرًا خطيرًا، وإنما لأن حياته نفسها تستحق أن تُروى. المرأة التي تؤجل أحلامها سنوات من أجل أسرتها، الرجل الذي يخاف من الشيخوخة، الشاب الذي يعمل طوال اليوم ولا يعرف ماذا يريد من حياته، الصديقة التي اختفت تدريجيًا من حياة أصدقائها، الأم التي تكتشف أن أبناءها لم يعودوا في حاجة إليها بعد أن كبروا.
هذه ليست حكايات صغيرة عندما نعيشها.


الهدف بالطبع ليس استنساخ الدراما اليابانية، ولا نقل إيقاعها أو شكلها كما هو.


القيمة الحقيقية في التجربة هي أنها تذكرنا بأن المحلية الشديدة قد تكون طريقًا إلى العالمية، وأن التفاصيل التي نظنها عادية هي أحيانًا أكثر ما يمنح العمل هويته. يمكن أن نصنع «دراما هادئة» مصرية تمامًا؛ لها لغتنا وإيقاع شوارعنا وروح بيوتنا وعلاقاتنا ومشكلاتنا.


وربما تكون المفاجأة أن الجمهور، وسط كل هذا الضجيج الذي يحيط به يوميًا، لا يبحث دائمًا عن مسلسل يرفع مستوى التوتر أكثر.


ربما يريد أحيانًا أن يجلس أمام الشاشة ويرى نفسه.
من دون جريمة، أو مؤامرة.
من دون أن يصرخ أحد.
يريد ببساطة دراما تشبهه.