شهور طويلة من الشد والجذب في الملف الإيراني بين كل من ترامب من جهة والإيرانيين من جهة أخرى. سفينة الصراع بينهما لم تستقر على حال، لكن الفواتير يدفعها غيرهم، سواء في دول الخليج، التي أصبحت رهينة الاتفاق والاختلاف والتوتر، أو في التطورات الأخرى التي دفعت بعودة تنظيم القاعدة، «بعبع التطرف العالمي»، من جديد إلى اليمن، وبالتحديد إلى أحضان الحوثيين أبناء إيران.
باختصار شديد، يمكن إجمال مشاهد التوتر والقلق والهدوء في الصراع الأمريكي – الإيراني في نقاط محددة:
أولها أن ترامب استطاع تغيير هيكل القيادة الإيرانية التاريخية، واغتال بالفعل عبر حرب مدبرة مختلقة خامنئي ونحو 50 من رموز إيران سياسيًا وأمنيًا وفي الحرس الثوري. لكن في المقابل خلق قيادات أخرى أكثر شراسة وأكثر اختلافًا، أغلبها غير معروف.
-وفي الوقت الذي يبدو فيه بزشكيان رئيس الجمهورية، السلطة السياسية الظاهرة، فإن الحقيقة أن نجل خامنئي، المرشد الأعلى بعد والده، هو الممسك الحقيقي بالسلطة في إيران، لكن المفارقة أنه لا يزال مختفيًا، ما بين أنباء بالمرض الشديد والعجز وأخرى بالوفاة، وهو ما خلق مرشدين آخرين في الظل وحرسًا ثوريًا إرهابيًا دمويًا في إيران.
النقطة الثانية، أن ترامب الذي تخيل الحرب مع إيران نزهة ستنتهي سريعًا تحولت إلى كابوس، وقد تنجرف في لحظة جنون لتصبح أفغانستان أخرى، بعدما يتأكد تمامًا أن الضربات الجوية والصواريخ لن تحقق أبدًا أهدافها إلا إذا كانت هناك قوة برية تسندها على الأرض، تدخل وتحتل وتزيح، وهذا هو منطق القوة.
-النقطة الثالثة، المؤكد أن طهران تجر واشنطن لحرب طويلة ومستنقع، وأن تهديدات ترامب لا تخيفها فعلًا، بل العكس زادتها جرأة، وبدلًا من أن كان صدامها السابق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تحول صدامها إلى عدوان مباشر واستهداف لدول الخليج وعواصم الخليج، وكذلك استقرار الأردن.
-الحرب الحالية بين واشنطن وطهران ليس لها عنوان، كما أنها تفتقد لهدف استراتيجي حقيقي. فترامب لا يقدر على إزاحة النظام الثوري الإيراني الديني، والإيرانيون لم يخرجوا للشوارع كما كان منتظرًا بسبب الفقر وتردي الأوضاع لمطالبة برحيل نظامهم الاستبدادي على مدار قرابة 5 عقود، وفي المقابل يتورط ترامب يومًا بعد آخر.
-الصراع الأمريكي الإيراني لا حرب ولا سلم، ولكن استنزاف لقوة العالم واستقرار الخليج، وترامب مشتت الذهن عاجز عن اتخاذ القرار الأقوى بغزو إيران إن كان يريد وضع نهاية لهذا، لكن طبعًا احتمالية فشله الذريع وخسارته آلاف الجنود الأمريكيين على الأرض تردعه عن اتخاذ القرار.
-الصراع الأمريكي الإيراني أثبت، مع المعارضة الشديدة للسياسة الإيرانية الهمجية والعدوان المباشر منها وسياسة النفوذ والاحتلال، أن طهران قوة حقيقية، والمكسب الأكبر في هذه الحرب حتى اللحظة فرض سيطرتها تمامًا على مضيق هرمز شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وهذه خيبة شديدة لترامب.
-والنهاية.. عدم وجود العرب في المشهد بشكل مؤثر، وعدم القدرة على الطلب من ترامب كف يده والخروج من المنطقة والعودة ثانية بخطة جديدة ورؤية أوضح، إن كان لا يزال لديه ثأر دفين مع إيران، سيكلفنا الكثير. أما الاستمرار بهذا الشكل، فسيحولها لحرب استنزاف أمريكية إيرانية يدفع الخليج فواتيرها من دمه ونفطه وملايين العمالة الموجودة عنده.