بينما تتصفح حسابك على "فيسبوك" وغيره من التطبيقات بحثاً عن جرعة ترفيه أو خبر لفت انتباهك، تباغتك خوارزميات تلك المنصات بمقطع فيديو يعج بالقسوة؛ حادث مروع، أو صرخة فجيعة، وما أكثر تدفق تلك الماسورة التي انفجرت فجأة بالعديد من المآسي والآلام هذه الأيام. لتتسمر عيناك لحظات في انجذاب فضولي، ثم تتابع تماديك في المشاهدة كأن شيئاً لم يكن. هذا السلوك المتكرر يومياً ليس مجرد هوس عابر، بل هو فخ نفسي معقد يُغير تركيبتك البيولوجية وإنسانيتك ببطء؛ فماذا يحدث لعقولنا عندما نفرط في استهلاك الصدمات؟
والإجابة المفزعة عزيزي القارئ تكمن في أنك مأسور في قاع الشاشة بفعل تنويم مغناطيسي خوارزمي يجرّدك من قدرتك على الانسحاب؛ فخلف تلك المشاهد الكئيبة يكمن ما يصفه علماء النفس بـ "الصدمة غير المباشرة"، حيث يعيد دماغك بناء وعيه بالواقع استناداً إلى هذا الإغراق المرئي المفرط، ليقع أسير "متلازمة العالم الشرير" التي تضخم مشاعر القلق والارتياب البديهي، وتجعل البيئة الخارجية تبدو موحشة وغير آمنة. ومع توالي هذه المقاطع المأساوية، يصاب جهازنا العصبي بحالة من "التعود العاطفي"، وهي آلية سيكولوجية تتبلد معها الأحاسيس، وتتآكل أثمن ميزة بشرية، ألا وهي قدرتنا الفطرية على التراحم، لنغدو بمرور الوقت متفرجين بدم بارد في سيرك رقمي لا ينتهي.
والأمثلة كثيرة ومتكررة لشباب في عمر الزهور استوطنهم التبلد، وسكن في وجدانهم إدمان الاستطلاع والتعود على مشاهد العنف المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي، والموجه خوارزمياً بدقة مدروسة، تعتمد على إغداق التعرض للصدمات الشاذة عن مجتمعنا المتدين بفطرته؛ من أجل تشويه جينات النخوة بقلوب وقناعات مراهقيه وشبابه. وهي هندسة سلوكية مبنية على الاندفاع اللاإرادي لاستغلال مآسي المظلومين، وقهر كل ضعيف يئن والتنمر به، في مشهد عبثي يُسوق فيه الانحطاط تحت ستار "التريند"، لتتحول الشاشات إلى ساحات إعدام معنوي تُستباح فيها كرامة البشر علانية أمام ملايين المتفرجين دون رقيب أو وازع أخلاقي.
وللخروج من هذا المستنقع فإن الأمر لا يتطلب مجرد تجاهل مؤقت أو ترفاً فكرياً، بل يستدعي تدخلاً إرادياً واعياً؛ يبدأ بوقف اختياري صارم لتدفقات المشاهد المؤلمة، وقطع دابر الإجهاد العصبي، مروراً بكسر التمرير اللانهائي للفيديوهات الخبيثة بالقراءة النصية الواعية والمفيدة للمخزون المعرفي للعقل سواء بتثبيت معلومة أو إضافة أخرى؛ إنقاذًا للدماغ من التسمم البصري، واستثماراً للوقت بدلاً من قتله، وصولاً إلى تفعيل التعبير الحركي الذي يترجم التوتر إلى نشاط بدني بممارسة الرياضة؛ لتفريغ شحنات القلق والصدمات المتراكمة في العضلات، ونفض غبار الإجهاد عن الجسد، فضلاً عن كونها طوق نجاة يقضي على الرتابة التي يهرب بسببها المرء إلى دائرة مفرغة من العادات السيئة، وخصوصاً فئة الشباب. ولنعلم بأن أعيننا ليست ممرات مهملة، بل هي بوابات أرواحنا الحصينة، وحمايتها من هذا التلوث هو طوق النجاة لكي تبقى إنسانيتنا حية تنبض بالرحمة والمروءة.