في مفارقة أدبية تستحق التأمل، تتقاطع تواريخ ميلاد عدد من أعظم الأسماء التي صنعت تاريخ الأدب العالمي داخل أشهر الشتاء؛ من الأديب المصري نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب، إلى الفرنسي فيكتور هوغو، مرورًا بتشارلز ديكنز وإدغار آلان بو وفرجينيا وولف وجين أوستن.
أسماء تنتمي إلى ثقافات وعصور ومدارس أدبية مختلفة، لكنها تشترك في تفصيلة لافتة: أنها أبصرت النور في ديسمبر ويناير وفبراير، الأشهر التي يرتبط فيها الشتاء بالهدوء والتأمل والليالي الطويلة، وكأن هذا الفصل كان موعدًا استثنائيًا لميلاد بعض العقول التي أعادت تشكيل وجدان الإنسانية.
وهنا يبرز سؤال مثير: هل كانت مصادفة أن تضم قوائم كبار الأدباء هذا العدد من مواليد الشتاء؟ أم أن ثمة علاقة محتملة بين الفصل الذي يولد فيه الإنسان وتكوين شخصيته وقدرته على الإبداع والخيال؟
نجيب محفوظ وهوغو وديكنز.. عمالقة الأدب الذين جمعهم الشتاء
تتصدر القائمة أسماء استثنائية، يأتي في مقدمتها الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ، الذي وُلد في 11 ديسمبر 1911 بالقاهرة، وأصبح أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، بعدما قدم مشروعًا روائيًا استثنائيًا وثّق تحولات المجتمع المصري، وجعل من الحارة المصرية عالمًا إنسانيًا تتقاطع فيه الأسئلة السياسية والاجتماعية والفلسفية، في روائعه الأدبية أولاد حارتنا، الثلاثية بين القصرين و قصر الشوق و السكرية، اللص و الكلاب و حديث الصباح والمساء وغيرها من الأعمال الأدبية الخالدة.
ومن القاهرة إلى فرنسا، نجد الأديب والشاعر الفرنسي فيكتور هوجو، الذي وُلد في 26 فبراير 1802، وترك بصمة خالدة في الأدب الإنساني بروايتيه الشهيرتين «البؤساء» و«أحدب نوتردام»، حيث امتزجت كتاباته بالدفاع عن المظلومين وتسليط الضوء على الفقر والعدالة والكرامة الإنسانية.
أما الأديب البريطاني تشارلز ديكنز، فقد وُلد في 7 فبراير 1812، ليصبح واحدًا من أبرز روائيي القرن التاسع عشر، وصاحب أعمال خالدة مثل «أوليفر تويست» و«قصة مدينتين»، التي كشفت التفاوتات الاجتماعية ومعاناة الفئات المهمشة.
وفي يناير، وُلد الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو، في 19 يناير 1809، أحد أبرز رواد أدب الرعب والغموض والقصة البوليسية، والذي اتسمت أعماله بعوالم نفسية شديدة التعقيد.
كما وُلدت الروائية البريطانية فرجينيا وولف في 25 يناير 1882، لتصبح واحدة من أبرز رموز الأدب الحداثي، من خلال أعمال مثل «السيدة دالاواي» و«إلى المنارة»، التي أعادت تشكيل تقنيات السرد الروائي والغوص في أعماق النفس البشرية.
وفي ديسمبر أيضًا، وُلدت الروائية الإنجليزية جين أوستن في 16 ديسمبر 1775، صاحبة «كبرياء وتحامل»، والروائي الفرنسي غوستاف فلوبير في 12 ديسمبر 1821، صاحب «مدام بوفاري»، والشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون في 10 ديسمبر 1830، التي تُعد من أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الأمريكي.
أما شهر يناير، فيضم أيضًا اسم الروائي البريطاني جون رونالد تولكين، المولود في 3 يناير 1892، صاحب عالم «سيد الخواتم»، والروائي الأمريكي جاك لندن، المولود في 12 يناير 1876، صاحب «نداء البرية».
وفي فبراير، وُلد الروائي الفرنسي جول فيرن في 8 فبراير 1828، أحد رواد أدب الخيال العلمي، والروائي الأيرلندي جيمس جويس في 2 فبراير 1882، صاحب «يوليسيس»، والروائي الأمريكي جون شتاينبك في 27 فبراير 1902، صاحب «عناقيد الغضب»، والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1962.
شكسبير.. الاستثناء الذي جاء مع الربيع
لكن وسط هذه القائمة الطويلة من عمالقة الأدب الذين وُلدوا في الشتاء، يبرز استثناء أدبي شهير هو الكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير، الذي يُحتفل بميلاده في 23 أبريل 1564، ليأتي ميلاده في قلب فصل الربيع، بعيدًا عن أجواء ديسمبر ويناير وفبراير.
ويُعد شكسبير أحد أعظم كتاب المسرح في التاريخ، وصاحب أعمال خالدة مثل «هاملت» و«روميو وجولييت» و«ماكبث»، ليؤكد أن عبقرية الأدب لا ترتبط بفصل ميلاد بعينه، وأن الربيع كان بدوره موعدًا لميلاد أحد أكثر العقول الإبداعية تأثيرًا في تاريخ الإنسانية.
الشتاء وجائزة نوبل.. مصادفة تتكرر في سجل كبار الأدباء
وتزداد المفارقة إثارة عند النظر إلى قائمة الحاصلين على جائزة نوبل للآداب، إذ نجد بين مواليد الشتاء عددًا من أبرز الفائزين بالجائزة، وهو ما يمنح هذه الظاهرة بعدًا ثقافيًا يستحق التوقف أمامه.
فإلى جانب نجيب محفوظ، المولود في ديسمبر والحائز على نوبل عام 1988، نجد البريطاني روديارد كبلينغ، المولود في 30 ديسمبر 1865، والحائز على الجائزة عام 1907، تقديرًا لقوته السردية وثراء خياله الأدبي.
كما وُلد الكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين في 11 ديسمبر 1918، وحصل على نوبل عام 1970، تقديرًا للقوة الأخلاقية التي ميّزت أعماله، ولا سيما كتاباته التي تناولت تجربة الاعتقال والقمع في الاتحاد السوفيتي.
وفي فبراير، نجد الكاتبة الأمريكية توني موريسون، المولودة في 18 فبراير 1931، والحائزة على نوبل عام 1993، والتي تميزت رواياتها بقدرتها على استكشاف التاريخ والهوية والذاكرة الإنسانية.
ويضاف إليهم الروائي الأمريكي جون شتاينبك، المولود في 27 فبراير 1902، والحائز على نوبل عام 1962، والكاتب النرويجي بيورنستيرنه بيورنسون، المولود في 8 ديسمبر 1832، والحائز على الجائزة عام 1903.
وهكذا، لا يقتصر الأمر على أسماء أدبية لامعة وُلدت في الشتاء، بل يمتد إلى مجموعة من الحاصلين على أرفع جائزة أدبية عالمية، وإن كانت هذه الأمثلة لا تعني أن مواليد الشتاء يمثلون أغلبية الفائزين بنوبل.
الأدب العبري.. بياليك وجروسمان ويهوشع وأبلفيلد.. مواليد الشتاء في الشعر والرواية
ولم يغب الأدب العبري الحديث عن قائمة الأدباء الذين وُلدوا في أشهر الشتاء، إذ تضم خريطته عددًا من الأسماء البارزة التي تركت بصمات واضحة في الشعر والرواية العبرية.
ويأتي في مقدمتهم الشاعر حاييم نحمان بياليك، المولود في 9 يناير عام 1873 في أوكرانيا الحالية، والذي يُلقب بـ«الشاعر القومي العبري»، ويُعد أحد أبرز رواد الشعر العبري الحديث.
وقد تناولت أعماله قضايا الهوية والذاكرة والاضطهاد، ومن أشهر قصائده «في مدينة القتل»، التي كتبها في أعقاب مذبحة كيشينيف عام 1903، كما حضرت في شعره موضوعات الخلاص والانتظار الديني.
ومن الشعر إلى الرواية، يبرز اسم الروائي الإسرائيلي ديفيد جروسمان، المولود في 25 يناير 1954 بالقدس، وهو أحد أبرز الروائيين الإسرائيليين المعاصرين، وحصل على جائزة بوكر الدولية عام 2017 عن روايته «حصان يدخل حانة»، وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة.
وفي ديسمبر، وُلد الروائي الإسرائيلي أ. ب. يهوشع في 19 ديسمبر عام 1936 بالقدس، ليصبح أحد أبرز الأسماء في الرواية العبرية الحديثة، وتناولت أعماله قضايا الهوية والمجتمع والعلاقات الإنسانية، وحصل على جائزة إسرائيل للأدب عام 1995.
أما الكاتب أهارون أبلفيلد، فقد وُلد في 16 فبراير 1932 بمنطقة بوكوفينا، في أوكرانيا الحالية، قبل أن يهاجر إلى فلسطين ويصبح أحد أبرز كتاب الرواية العبرية، واستلهم جانبًا كبيرًا من أعماله من تجربته في طفولته خلال الحرب العالمية الثانية والهولوكوست، ونجح في تحويل الذاكرة الشخصية إلى أعمال أدبية ذات طابع إنساني، وحصل على جائزة إسرائيل للأدب عام 1983 وجائزة ميديسيس الفرنسية عام 2004.
وهكذا، تمتد قائمة مواليد الشتاء من الأدب المصري والأوروبي إلى الأدب العبري، لتضم شعراء وروائيين اختلفت تجاربهم ومرجعياتهم الثقافية، لكن جمعتهم مصادفة الميلاد في أحد أبرد فصول السنة.
هل يصنع الشتاء شخصية أكثر إبداعًا؟
بعيدًا عن المصادفة التاريخية، يفتح تزامن هذه الأسماء مع أشهر الشتاء بابًا للتأمل في العلاقة بين توقيت الميلاد والتكوين النفسي للإنسان.
فثمة تصورات أدبية وثقافية تربط الشتاء بالميل إلى التأمل والانطواء النسبي والبحث في أعماق الذات، باعتباره فصلًا تتراجع فيه مظاهر الحركة الخارجية في بعض البيئات، بينما تزداد فرص العزلة والقراءة والتفكير.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الشتاء بوصفه استعارة للخيال والتأمل؛ فالليالي الطويلة والطقس البارد والمشاهد الطبيعية الهادئة كثيرًا ما حضرت في الأعمال الأدبية بوصفها خلفية للحزن والحنين والأسئلة الوجودية والصراعات الداخلية.
لكن هل يعني ذلك أن الإنسان المولود في الشتاء أكثر ميلًا إلى الإبداع؟
علميًا، لا توجد أدلة حاسمة تثبت أن الولادة في الشتاء تمنح الإنسان موهبة أدبية أو تجعله أكثر إبداعًا من مواليد الفصول الأخرى.
وقد تناولت دراسة منشورة في دورية «PLOS ONE» عام 2021 العلاقة بين موسم الميلاد وبعض سمات الشخصية، ووجدت ارتباطات محدودة في بعض مؤشرات المزاج لدى عينة من المشاركين، لكنها لم تثبت وجود علاقة سببية بين فصل الميلاد والإبداع.
ومن ثم، ربما يكون التفسير الأكثر اتزانًا أن الشتاء لا يصنع العباقرة بالضرورة، لكنه يمنحنا صورة عن الابداع و الثقافة ورمزية غنية نستطيع من خلالها قراءة بعض ملامح التجربة الإنسانية، دون تحويل المصادفة إلى قاعدة علمية.
من مصادفة الميلاد إلى خلود الإبداع
في النهاية، يبقى السؤال الأجمل ليس لماذا وُلد هؤلاء الأدباء في الشتاء، وإنما كيف استطاعوا أن يتجاوزوا حدود الزمان والمكان ليصبحوا جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة؟
فمن حواري القاهرة عند نجيب محفوظ، إلى شوارع باريس عند فيكتور هوغو، ومن عوالم ديكنز الاجتماعية إلى عوالم بو النفسية، وصولًا إلى تجارب الشعر والرواية في الأدب العبري، أثبت هؤلاء أن الإبداع لا تحده جغرافيا ولا جنسية ولا فصل من فصول السنة.
وربما كان الشتاء مجرد مصادفة جمعت تواريخ ميلادهم، لكنه يظل مصادفة جميلة تفتح نافذة للتأمل في العلاقة الغامضة بين الإنسان والخيال، وبين لحظة الميلاد والقدرة على ترك أثر لا يمحوه الزمن.

