لأعوام طويلة اقتصرت مشاهد الأراضي الزراعية في القرى أو المحافظات الريفية على استهلاك الكثير من المياه العذبة في الري، ولكن في محافظة السادس من أكتوبر، تحديدا خلف مدينة الإنتاج الإعلامي، تجد مزرعة ذات مساحات من الأخضر المحمل بالعديد من أنواع الخضراوات المختلفة وكأنها قطعة أرض زراعية مجاورة لنهر النيل.
قام «صدى البلد» بزيارة المزرعة الموفرة للمياه، فبمجرد دخولها تلاحظ رائحة ريحانية تملأ المكان وتداعب أنوف الموجودين، فيما تزهو ثمار الفلفل بألوانه المختلفة، وهي لازالت في المهد، أما الملوخية فكأنها تلوح إليك من بعيد بسيقانها الطويلة، وتقبع إلى جانبها نباتات الكرنب، والخس الأخضر منها والأحمر، والأغرب من ذلك كله هو نباتات الأرز المزروعة في حوض مغلق داخل تلك الصوبة البدائية.
هذه النباتات ليست إلا نتاج لمزرعة سمكية كبيرة، تحمل مياهها الكثير من أسماك المياه العذبة (كالبلطي، البوري، القراميط وثعبان البحر )، تجاورها مزرعة للديدان، الذي يعد أهم سماد عضوي في المزرعة التي لا تعتمد على أي مواد كيميائية، إنها أحدى مشاريع "الأكوابونيك"، وهو زراعة تكاملية بين النبات والأسماك معًا معتمدين على مخلفات الأسماك فى تغذية النبات، واستفادة الأسماك مما ينتج عن النبات.
طار من أمريكا إلى مصر منذ عدة سنوات لينقل إلى بلاده تجربة الأكوابونيك، متحديًا مشاكل الزراعة التي تواجه بلاده من نقص المياه وازدياد السكان مع حاجتهم للغذاء، دكتور «هشام حجاج» عالم الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة أكسفورد.
يتدافع سكان المناطق المجاورة لهذه المزرعة، التي يديرها «هشام حجاج» وزوجته «شادية» للحصول على الثمار غير المهرمن، وغير المحمل بالكيماويات، ترى حنو الآباء على الأبناء في رعاية الزوجين للنباتات باهتمام شديد وعناية طوال الوقت، كمن يهتم بأبنائه الصغار بشوق لخطواتهم الأولى وانتقالهم من مرحلة إلى أخرى.
كيف تعمل الأكوابونيك:
يعتمد النبات في هذه الحالة على النترات أكثر من الماء، فتتكاتف الأحواض المتجاورة حيث تمتد المواسير بينها كآيادي عاملة تنقل المياه المحملة بفضلات الأسماك إلى الفلاتر الموجودة على الجانبين كحراس للمزرعة، وتتولى تحويل الأمونيا الذائبة في الماء إلى نترات وإرسالها إلى أحواض النبات، ثم تعمل على إعادة الماء مرة أخرى إلى شكله الطبيعي بعد عودته من النبات فيرجع إلى الأسماك في دورة متكافئة مستمرة.
" المياه المستخدمة بقالها 5 سنين .. هي نفسها متغيرتش وماحتاجتش مياه غيرها" كان هذا تعليق الدكتور هشام خلال شرحه لاحتياجات الماء في الزراعة بالأكوابونيك، فالمياه المستخدمة ما زالت نظيفة لا تحمل أي لون، أو رائحة كريهة، وقد قام بالتأكيد على نظافتها لـ"صدى البلد" من خلال الشرب منها.
تتميز الصوبات بشكلها البدائي، فالزوجان الطموحان أسسا المزرعة بمالهما الخاص وجهودهما الذاتية دون الاعتماد على أي مؤسسة مشاركة، " المرزعة بتكفي نفسها بنفسها"، والنباتات تحمل العديد من العناصر المفيدة، فينتج عن عملية الفلترة طحالب «الأسبرولينا» المفيدة للجسم والتي تحمل 66% بروتينات، بالإضافة إلى طحالب «الأزولا» التي تستخدم كعلف للأسماك، وبجانب ما ينتج عن فضلات الأسماك من أمونيا ذائبة توجد أيضًا فضلات صلبة.
تستخدم الفضلات الصلبة للأسماك في إنتاج السماد، "إدى الدودة فضلات السمك تطلعلك سماد عضوي"، حيث أنشأ الدكتور «حجاج» مزرعة لديدان "الريد ويجلر" التي تتغذى على فضلات الأسماك الصلبة، لتخرج سمادًا عضويا يساعد على نمو النباتات بشكل أسرع وأفضل، ثم بعد ذلك يتم إطعام الدود للأسماك، "إحنا مبنرميش حاجة"، كما قال الدكتور حجاج لـ«صدى البلد».
لم يفرط الزوجان في أي مخلفات ناتجة من المزرعة، فاستخدموا الفضلات الصلبة في إنتاج "البيوجاز" لتوليد الكهرباء، ففكرة المزرعة تعتمد على الاستفادة من عناصرها بكل الطرق، ولم تقتصر المزرعة على الاستزراع السمكي والنباتي فقط بل قاموا بزراعة شجر التوت، لتربية دودة القز وإنتاج الحرير..
كيف تستفاد من الأكوابونيك في منزلك
ماذا لو قمت بطبخ طعامك ثم اكتشفت أنه ينقصك ثمرة طماطم لتكتمل الطبخة، بالطبع ستطرق باب جارك لتسأله واحدة، وبدوره قد يطلب منك جارك في إحدى المرات كوب من الزيت أو كيس من الملح، هكذا يمكن أن تكون وحدة الأكوابونيك وحدة مصغرة توضع في «البلكونة أو السطوح» تشترك بها أكثر من أسرة، "ممكن بيت يزرع طماطم وبيت يزرع ملوخية وبيت يزرع كوسة .. ويكون فيه عملية مقايضة بين الأسر" كما قال حجاج لـ «صدى البلد»، "لو قدرنا نرجع الناس إنها تنتج من خلال تلك الوحدات الصغيرة .. مش هيكون فيه فقر".
كانت مدام «شادية» تقطف مع حفيدتها أوراق الملوخية لطبخها، فهي تتولى توريد الخس والفلفل للفنادق لكثرة الطلب عليها، كذلك توافد سكان المناطق المجاورة ذهابًا وإيابًا لشراء المنتجات المختلفة من المزرعة، وقد قال المهندس/ محمد الخولي صديق زائر للمزرعة بشكل مستمر، أنه يشتري دائمًا من تلك الثمار والسمك واستخدم أنواع الريحان الموجودة لتضفي رائحة ذكية على مكتبه.
لم يكتف الدكتور حجاج بالاستزراع وتوريد الخضروات فقط، فهو يطمح لجعله مشروع يطبق بشكل عام في كل أنحاء مصر، حيث تعقد دورات تدريبية داخل المزرعة بصفة دائمة لتعليم المزارعين، والهواة الزراعة على طريقة الأكوابونيك، وبالفعل اتجه العديد من المتدربين لإنشاء المشاريع الخاصة بهم.