قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: القلوب بين الاستقرار والعبور

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​فرق كبير بين أن تعيش ضيفاً على قلب أحد أو مالكاً له؛ تلك ومضة فكرية لا تقف عند حدود الكلمات، بل تختزل فلسفة شاسعة في تشريح الروابط الإنسانية، وكشف خفايا السرائر الوجدانية. غير أن المساحة الأعمق في هذه المعادلة لا تتبدى فقط في أحوال العابرين، بل في خلجات النفس "المستضيفة" ذاتها؛ ذلك الفؤاد الذي يفتح أبوابه مرغماً بحكم الأقدار والمسؤولية لزوار يثقلون كاهله، بينما يتسع، بلا ضيق أو كلفة، لمن يتربع في أرجائه إلى الأبد، حيث لا تُقاس الإقامة بعدد الساعات، بل بحجم الطمأنينة.

​فمشاعرنا ليست ساحات مهجورة من الفراغ، بل هي ذوات حية تمتلك حاسة فريدة تفرق بها بين الطارئ والأصيل. كما أن للصدر الإنساني أعتاباً خفية، لا تطأها الأقدام إلا وتحدث في حنايا الروح صدى يتردد في جنباتها؛ إما صدى ارتياح وأنس يفتح للزائر آفاق المودة، أو صدى ضيق ووحشة يُطبق على الأنفاس وإن تجمل صاحبه بالترحاب الظاهري.

​وغالباً ما تملي علينا الصدف والالتزامات الاجتماعية استقبال "ضيوف ثقال" على الوجدان، يُجبر المرء معهم على ممارسة أقصى درجات "التصنع النبيل" ليحافظ على أدبه وكرمه الأخلاقي؛ فيحتمل وجودهم الصامت، لكنه يعيش في عد تنازلي مستمر، يترقب على أحر من الجمر لحظة المغادرة ليتنفس الصعداء. إن حضور هذا العابر القسري يستهلك طاقة النفس، ويبدد سكينتها، ويحول الصلة إلى عبء من الحذر ولحظات واجفة يبحث الفؤاد فيها عن مخرج وانعتاق يعيد إليه هدوءه السليب.

​على النقيض تماماً، يتجلى مشهد "مالك الروح"؛ ذلك الذي تختفي مع دخوله كل بروتوكولات التحمل، وتسقط كلفة الضيافة وأقنعة التصنع. طول بقاء هذا الإنسان في حماك ليس "استضافة" يخشى زوالها، بل هو "الأمان" في أقوى معانيه؛ معه، لا تشعر بمرور الوقت، بل ترى أن فصول عمرك تترتب وتهدأ بوجوده. كلما طالت إقامته، تعمقت السكينة، وتحول المكان بفضله من مجرد مأوى مؤقت إلى وطن رحب؛ فلا ضيق من طول الزيارة، بل إن امتدادها هو سبب السعادة، وشرط التوازن النفسي.

​وإذا أردنا أن نبحر في المعين الروحي الأصفى لنتأمل هذا التباين، فلن نجد بقعة أشد نبلاً من فؤاد النبي محمد ﷺ؛ ذلك الطهر الذي اتسع للأمة بأسرها، ولم يضق بعبء الرسالة، ومع ذلك سجّلت السيرة الشريفة كيف كانت الوجوه والأنفاس تمر على نبضه البشري متباينة بين ثقل قدري محتوم، وبين سكن عاطفي خالد.

​لقد احتمل قلبه الشريف وعاء الأقدار بجميل الصبر؛ فكان الأعراب وجفاة الطبع يدخلون بيوته بغير إذن، وينادونه من وراء الحجرات جفاءً، بل ويجبذون رداءه جبذة شديدة تؤثر في عاتقه الطاهر ليطلبوا عطاءً مادياً، فاستوعب غلظتهم برفق النبوة ومقام التربية والتشريع، مثلما ورد بالنص القرآني الحكيم من سورة الأحزاب: بسم الله الرحمن الرحيم {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} صدق الله العظيم.

​وحتى بعد الفتح والدعوة، تجسد الشجن البشري في أعمق صوره حين جاءه "وحشي بن حرب" مسلماً؛ وهو العبد الحبشي الذي كان يملك مهارة فائقة في رمي الرمح، فاستأجره المشركون في غزوة أحد لغاية واحدة: اغتيال أسد الله حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، ونيل حريته ثمناً لهذه الجريمة. ورغم أن النبي ﷺ قَبِل إسلامه حقناً للدماء وإعلاءً للرسالة، إلا أنه لم يملك ـ أمام جلال الفقد ـ إلا أن يقول له بنبض مكلوم: "هل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟"؛ في إشارة بليغة إلى أن التكليف قد يُلزمنا بالتعايش، لكنه لا يجبر العواطف على فتح أبواب الوداد لمن يثقلها بأوجاع الماضي.

​ومن مشهد التعايش المجهد إلى واحة النبل الخالص، يبرز أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ كأعظم نموذج لـ "مالك الروح" الذي تربع في سويداء النبوة. لم يكن الصديق يوماً زائراً يخشى إطالة البقاء؛ بل كان الامتداد الطبيعي لراحة النبي وطمأنينته. في الهجرة، وفي عتمة الغار، لم يكن وجود أبي بكر كلفة أو عبئاً، بل كان المستقر الوجداني الذي تنزل فيه ترياق الثبات حين قال له الصادق الأمين: "لا تحزن إن الله معنا". امتزجت روحه بخلجات الرسول حتى قال فيه ﷺ كلمته الخالدة التي تلخص امتلاك الوجدان التام: "لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً". غيابه كان يعني الوحشة، وحضوره الصامت كان يغني عن العالم؛ لأن وجوده في قلب المصطفى كان هو الثبات، ومصدر الأنس الدائم الذي لا يحده زمن.

​وقلوبنا، إنْ بلغت من النبل والكرم غايتَها، لها طاقة بشرية وحق مشاع؛ تصبر على عابر ثقيل أو قدر محتوم أدباً واحتراماً لنوائب الحياة، لكنها لا تزهر، ولا تنبض بالحياة الحقيقية، إلا لمن امتلك ميثاق البقاء الخالد. هي دعوة صادقة لأن نحترم "بيوتنا الداخلية"، فلا نرهقها بإقامة قسرية لمن لا يقدر حرمة المكان ولا يفهم لغته، وأن نتمسك بكل قوة بأولئك الذين يجعلون من طول الزيارة وطناً للاستقرار، والسكينة، والسلام.