AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

حجر رشيد اليوناني ومشنقة سليم العثماني

محمد شمروخ

محمد شمروخ

الإثنين 14/سبتمبر/2020 - 09:24 م
علاقات مصر واليونان تضرب في عمق الزمان بما يتجاوز القرون إلى آلاف السنين، فلم تكن أول صلات بين شاطئي البحر الأبيض المتوسط عند قدوم الإسكندر الأكبر، بل سبقت هذه الصلات الإسكندر بقرون وكانت منذ عهود الأسرات المصرية الفرعونية الأخيرة خاصة مع حكم الأسرة السادسة والعشرين تقيم جاليات كبرى في مناطق مختلفة في أنحاء مصر  في مدن بأسماء يونانية وشغلت مصر حيزا كبيرا في الأساطير اليونانية حتى وجدنا فيها المخلوق الأسطوري "سفنكس" على شكل تمثال أبو الهول.


ولذلك عندما قدم الإسكندر الأكبر المقدوني لم يعتبره المصريون ملكا غازيا كمن سبقه من الآشوريين والفرس والذين ذاق المصريون على أيديهم ويلات وكان غزاتهم يتعمدون إهانة المصريين في معتقداتهم والتنكيل بحكامهم حتى أن قمبيز بن قورش أخذ على عاتقه مهمة تدمير الحضارة المصرية بالرغم من محاولة تقليده لملوك الفراعنة وإقامته في مصر فترة كملك في زي الفراعنة إلا أنه بعد أن دمر ما لم يسبقه إليه غازٍ قبله من تدمير وتنكيل خسر جيشا كبيرا في بحر الرمال الأعظم في صحراء مصر الغربية ثم أصيب بالجنون وانتهى نهاية غامضة وهو في طريق عودته إلى بلاده.


فلم يحدث في تاريخ مصر أن رحبت بملك محارب يدخل أراضيها في مقدمة جيوشه إلا مع الإسكندر الأكبر في استثناء تاريخي ليس له مثيل.. فقد تم تتويج الإسكندر كملك مصري في قاعة التتويج الباقية حتى الآن في معبد آمون بواحة سيوة شمال غرب مصر وظلت ذكرى الملك العظيم  باقية في قلوب المصريين على مدى القرون بل مازال اسم الإسكندر يسمى به كثير من المصريين أبناءهم إلى هذه اللحظة.


ولما كان الإسكندر وخلفه بطليموس أحد أكبر قواد جيشه استمر في مصر  باقيا يتخذ من المدينة التى أسسها مليكه المحبوب عاصمة الإمبراطورية الجديدة تبدأ تشع منها شمس الحضارة من جديد على أرض وادي النيل وضفاف المتوسط ليشارك  النهر والبحر لإنتاج حضارة عظيمة بعد طول غياب باسم الحضارة الهيلينستية وحكم البطالمة حسب التقاليد المصرية الدينية فكان يتم تتويجهم طبقا للمعتقدات المصرية والتى طعما بالمعتقدات اليونانية فهذا التزاوج الحضاري لم يحدث بين قطرين كما حدث مع مصر واليونان.


والباقي من الآثار المصرية القديمة يشهد بذلك، فالمعابد المصرية الباقية به نسبة كبيرة - إن لم تكن غالبة- بطلمية في الإسكندرية التى صارت منارة البحر وحاضرة البر، عاصمة سياسية لإمبراطورية مصرية يونانية وعاصمة ثقافية للعالم كله.


كما كانت مصر مقصد الفلاسفة والعلماء والطلاب من اليونان فقد قدم إليها فيثاغورس وأفلاطون وهذا الأخير على قدره العظيم عندما التقى بأحد كهنة جامعة أون "عين شمس" ذكر له الكاهن أن اليونانيين مازالوا تلاميذ بالنسبة لحكمة مصر القديمة وذكرها أفلاطون كالمنبهر والمتقبل للوقوف كتلميذ أمام صرح الحضارة المصرية القديمة التى اعتبرت حضارة اليونان امتدادا لها فلا ينكر غير متعسف هذه الصلات الوطيدة بين التراثين حتى بعد  انتقال الشعاع الحضاري إلى أثينا.


وفي الإسكندرية ومنف والأقصر وأسيوط والمنيا والفيوم ودندرة وأسوان والسويس وكثير من الأنحاء مازالت الآثار شاهدة على ذلك..


وكتب البطالمة تراثهم باللغة المصرية القديمة بحروفها الأصلية جنبا إلى جنب مع لغتهم.. ففي حجر رشيد وهو في حقيقته منشور بمرسوم صادر من أحد ملوك البطالمة (بطليموس الخامس سنة ١٩٦ ق.م) مكتوب بلغتين أولاهما المصرية القديمة بخطيها الهيروغليفى "المقدس" والهيراطيقي"الرسمي" والثانية اليونانية بخطها المعروف وقتها وهذا الحجر بفضل بقاء اللغة اليونانية مكن شامبليون من فك اللغز العظيم من خلال الخرطوشة المكتوب فيها اسم بطليموس الخامس بالخطوط الثلاثة!

 
فبالرغم من طول الحقب الزمنية الهائلة بين بطليموس الخامس والعصور الفرعونية إلا أن اليونانيين حافظوا على التراث المصري وقدموه على تراثهم وتلاحظ هذا في آثارهم الباقية بوادي النيل.. فمنذ عهد الإسكندر العظيم لم يعتبر اليونان أنفسهم غرباء أو غزاة كذلك كان المصريون معهم.


ولم يقتصر الأمر على العصور القديمة فحتى فترة الانقطاع الحضاري الهائلة إثر غروب شمس الحضارة اليونانية لم تباعد بين مصر واليونان اللتين انزوتا تحت جنح ظلام تاريخي ثقيل عقب غزو الرومان وتوالي العصور التى مرت على المنطقة كلها شهدت فيها تقلبات دينية وثقافية وسياسية وعسكرية تفوق الوصف إلا انه مع بداية مصر الحديثة عقب تولي محمد علي عندما استعان به سلطان العثمانيين الذي يملك السيادة على مصر في حروب اليونان المعروفة بحرب المنورة ورغم أن إبراهيم كان قائدا لجيش تابع لإسطنبول ولو اسميًا جاء ليقمع الثورة اليونانية ضد الأتراك إلا أن حقيقة الأوضاع على الأرض كانت مختلفة فلم يتجاوز إبراهيم في حق اليونانيين ولأول مرة لم ير اليونان قائدا دمويا يحارب باسم الترك ولأول مرة يخرج القائد الغازي تاركا تراثا شعبيا هائلا من الحب لدى اليونان حتى كاد يفتنهم وهذا أمر شرحه يطول لاختلاف المؤرخين فيه بين منصف ومغرض.


ونقفز إلى أزمة تأمين قناة السويس ولا ننسى ابدا موقف المرشدين اليونانيين الذين رفضوا الانسحاب مع بقية المرشدين الأجانب وبقوا بجانب المصريين يديرون القناة فى تحد واضح لكل من فرنسا وبريطانيا وهما القوتان العظميان وكانت إحداهما تحتل مصر قبل تأميم القناة بعامين فقط.


هذا مجرد إشارة سريعة ومقتضبة إلى علاقات مصر واليونان فماذا عن مصر والأتراك الذين يقفون اليوم بالمرصاد لكلا الدولتين ويعملون بكل ما أوتوا من قدرة  على التآمر  واستخدام أحط الأساليب لإسقاط الدولتين اللتين تفوقاها حضارة وتاريخا وأصالة فيكفي أن تعرف أن تركيا قامت على أرض الأناضول بعد سلاسل تاريخية من المذابح والتهجير القسري ضد شعوب الأناضول الأصلية وهو ما يشهد به التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر.


ولسنا بحاجة إلى التذكير بما فعله الترك العثمانيون في مصر على مدى أربعة قرون هي الأشد سوادا في تاريخ مصر الطويل عندما تمكن السلطان سليم العثماني من دخول القاهرة  بمؤامرات وخطط الخيانة التى عقدها مع خاير بك وبردي الغزالي الأميرين المملوكيين اللذين غدرا بطومان باي أكثر سلطان مملوكى أحبه شعب مصر بل وحتى الآن يحتفظ بمكانته  وما دام باب زويلة وهو أعظم ابواب القاهرة القديمة باقيا فسوف تظل المشنقة التى علق فيها جسد العظيم طومان باب ماثلة في ذاكرة التاريخ تذكرنا بغدر سليم الذي أعطى طومان الأمان ثم غدر به بما لا يمكن أن يمحى من ذاكرة الشعوب المقهورة من جراء ظلمهم.
Advertisements
AdvertisementS