ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

د. محمد مبروك يكتب: قصيدة ومعارضة ولَحْن!

الخميس 10/ديسمبر/2020 - 05:09 م
صدى البلد
Advertisements
تُعد قصيدة الحصري القيرواني "يا ليل الصّبُ متى غَدُهُ" احدى أشهر قصائد الشعر العربي والتي شغلت الكثير من الشعراء على مر الزمن بعد كتابتها في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، وقد وُلد هذا الشاعر الضرير في مدينة القيروان في تونس وعاش فترة من حياته في الأندلس ابّان حكم "المعتمد بن عبّاد"، وقد نالت هذه القصيدة صيتًا ذائعًا لجمال كلماتها وحُلو معانيها خصوصًا في الغَزَل الذي استهل به أبياتها التسعة والتسعين والتي كان الغرض منها بالأساس مَدح "عبدالرحمن بن طاهر" أمير (مرسية)- بلد أبي العباس المرسي - حيث كانت تبدأ القصائد عادةً بأبيات من الغَزَل فقال:

يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعدهُ؟
رقد السُّمَّارُ وأرّقهُ أسفٌ للبين يردِّدُّهُ
فبكاه النّجم ورق لهُ مما يرعاه ويرصدهُ
كلفٌ بغزالٍ ذي هيفٍ  خوف الواشين يشرِّدهُ
نصبت عيناي له شركًا في النوم فعزّ تصيدهُ
وكفى عجبًا أني قنصٌ للسِّرب سباني أغيدهُ
ينضو من مقلته سيفًا وكأن نعاسًا يغمدهُ
فيريق دم العشاق به والويل لمن يتقلَّدهُ
كلا لا ذنب لمن قتلت  عيناه ولم تقتل يدهُ
يا من جحدت عيناه دمي وعلى خدَّيهِ تورُّدهُ
خداك قد اعترفا بدمي فعلام جفونك تجحدهُ؟
إنّي لأعيذك من قتلي وأظنك لا تتعمدهُ
بالله هب المشتاق كرىً فلعلَّ خيالك يسعدهُ
ما ضرَّك لا داويت ضنى صبٍّ يدنيك وتبعدهُ
لم يبقِ هواك له رمقًا  فليبكِ عليه عُوَّدُهُ
وغدًا يقضي أو بعد غدٍ هل من نظرٍ يتزودهُ؟
يا أهل الشوق لنا شرقٌ بالدمع يفيض مورّدهٌ
ما أحلى الوصل وأعذبه لولا الأيام تنكدهُ
بالبين وبالهجران فيا لفؤادي كيف تجلُّدهُ

ومن جمال الأبيات وعذوبة كلماتها مع اختيار بحر "المتدارك" في نَظمِها، قام الكثير من الشعراء من بعده بمعارضة القصيدة، والمعارضة في الشعر هي الكتابة في نفس موضوع القصيدة الأصلية بنفس بحر الشعر وكأنها استكمال لها وليس تقليدا، وهي معروفة في الشعر، ولما كانت القصائد المعارضة لهذه القصيدة كثيرة، فقد قام "عيسى اسكندر المعلوف" بجمع معظم هذه المعارضات في كتاب نشره عام 1921، وقاد كان من بين المعارضين لهذه القصيدة ابن الأنبار، وإسماعيل الزبيري اليماني، وشمس الدين الحسيني، والشاعر إسماعيل صبري، ونسيب أرسلان، وغيرهم حيث لا يتسع المقام هنا لذكر قصائدهم ولكن يبقى أمير الشعراء أحمد شوقي على رأس كل هؤلاء في معارضته لهذه القصيدة برائعته "مُضناك" والتي غنى بعض أبياتها الموسيقار محمد عبد الوهاب في نهاية أربعينيات القرن العشرين وكانت أبيات القصيدة التي هي في نفس موضوع "يا ليل الصب" ونفس البحر على النحو التالي:

مُضناكَ جَفاهُ مَرقَدُهُ وَبَكاهُ وَرَحَّمَ عُوَّدُهُ
حَيرانُ القَلبِ مُعَذَّبُهُ مَقروحُ الجَفنِ مُسَهَّدُهُ
أَودى حَرَفًا إِلّا رَمَقًا يُبقيهِ عَلَيكَ وَتُنفِدُهُ
يَستَهوي الوُرقَ تَأَوُّهُهُ وَيُذيبُ الصَخرَ تَنَهُّدُهُ
وَيُناجي النَجمَ وَيُتعِبُهُ وَيُقيمُ اللَيلَ وَيُقعِدُهُ
وَيُعَلِّمُ كُلَّ مُطَوَّقَةٍ شَجَنًا في الدَوحِ تُرَدِّدُهُ
كَم مَدَّ لِطَيفِكَ مِن شَرَكٍ وَتَأَدَّبَ لا يَتَصَيَّدُهُ
فَعَساكَ بِغُمضٍ مُسعِفُهُ وَلَعَلَّ خَيالَكَ مُسعِدُهُ
الحُسنُ حَلَفتُ بِيوسُفِهِ وَالسورَةِ إِنَّكَ مُفرَدُهُ
قَد وَدَّ جَمالَكَ أَو قَبَسًا حَوراءُ الخُلدِ وَأَمرَدُهُ
وَتَمَنَّت كُلُّ مُقَطَّعَةٍ يَدَها لَو تُبعَثُ تَشهَدُهُ
جَحَدَت عَيناكَ زَكِيَّ دَمي أَكَذلِكَ خَدُّكَ يَجحَدُهُ
قَد عَزَّ شُهودي إِذ رَمَتا فَأَشَرتُ لِخَدِّكَ أُشهِدُهُ
وَهَمَمتُ بِجيدِكِ أَشرَكُهُ فَأَبى وَاِستَكبَرَ أَصيَدُهُ
وَهَزَزتُ قَوامَكَ أَعطِفُهُ فَنَبا وَتَمَنَّعَ أَملَدُهُ
سَبَبٌ لِرِضاكَ أُمَهِّدُهُ ما بالُ الخَصرِ يُعَقِّدُهُ
بَيني في الحُبِّ وَبَينَكَ ما لا يَقدِرُ واشٍ يُفسِدُهُ
ما بالُ العاذِلِ يَفتَحُ لي بابَ السُلوانِ وَأوصِدُهُ
وَيَقولُ تَكادُ تُجَنُّ بِهِ فَأَقولُ وَأوشِكُ أَعبُدُهُ
مَولايَ وَروحي في يَدِهِ قَد ضَيَّعَها سَلِمَت يَدُهُ
ناقوسُ القَلبِ يَدُقُّ لَهُ وَحَنايا الأَضلُعِ مَعبَدُهُ
قَسَمًا بِثَنايا لُؤلُؤها قَسَمَ الياقوتُ مُنَضَّدُهُ
وَرُضابٍ يوعَدُ كَوثَرُهُ مَقتولُ العِشقِ وَمُشهَدُهُ
وَبِخالٍ كادَ يُحَجُّ لَهُ لَو كانَ يُقَبَّلُ أَسوَدُهُ
وَقَوامٍ يَروي الغُصنُ لَهُ نَسَبًا وَالرُمحُ يُفَنِّدُهُ
وَبِخَصرٍ أَوهَنَ مِن جَلَدي وَعَوادي الهَجرِ تُبَدِّدُهُ
ما خُنتُ هَواكَ وَلا خَطَرَت سَلوى بِالقَلبِ تُبَرِّدُهُ

حيث اعتمد الموسيقار محمد عبد الوهاب على أحد الألحان الفلكلورية في تلحينها مما أعطاها مذاقًا موسيقيًا ممتعًا
                                                                           
    https://youtu.be/-GHCmtjiygw

وفي منتصف ستينيات القرن العشرين قدمت - جارة القمر- فيروز نفس اللحن تقريبًا مع تعديلٍ بسيط قام به المُلحن "توفيق باشا" ولكن بكلمات القصيدة الأصلية في واحدة من أجمل أغانيها التي كانت ضمن مجموعة من الموشحات الأندلسية، فأعادت إحياء "يا ليل الصب" في وجدان متذوقي القصائد العذبة والأغنيات الجميلة...
                                                                           
  https://youtu.be/XCEdPkjYBzw

فهما قصيدتان إحداهما كتبت في الأندلس والثانية نظمها أمير الشعراء كمعارضة للأولى وبنفس اللحن الفلكلوري تقريبًا غنى موسيقار الأجيال والسيدة فيروز من كلمات القصيدتين ما أمتعا به آذاننا ومنحا تلك القصيدتين طابع الخلود الفني.
Advertisements
Advertisements