ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

سليمان عبدالغفار يَكْتُب: التَجْرُبة الماليزية.. ونَموذَج الدَولة العصْرية

الثلاثاء 15/ديسمبر/2020 - 11:49 ص
صدى البلد
Advertisements
عِنْدَما حَصَلَتْ ماليزيا على اسْتِقْلاِها في عام 1957م وتَحَرَّرَتْ مِنَ الاسْتِعْمارِ البريطاني كانَتْ تَتَّصِف بِمُعَدَّل مُرْتَفِع لِلغاية مِنَ الفَقْرِ والبَطالة في ظِلِّ تَزايُد عَدَد السُّكْان – فَضْلًا عَنْ تَعَدُّدِ الأعْراقِ والثَقافات – فَهُناكَ ثلاثة أعْراق موجودة في ماليزيا – الملايو وهُمْ السُّكْانِ الأصْليون وجَميعُهُم مِنَ المُسْلمين وكانوا هُمُ الأشَدُّ فَقْرًا والأقَلْ تَقَدُّمًا – أمَّا الصينيون البوذيون فَهُمُ الأكْثَر ديناميكية في التَعْليم والأعْمال – ثُمَّ الهُنود الذينَ يَدينونَ بِالهُنْدوسية فَإنَّهُم كانوا بَيْنَ بَيْنَ، وبِالنَظَرِ إلى أنَّهُ لا يُمْكِن لِدَوْلة أنْ تَتَقَدَّم أو تَنْمو إنْ لَمْ تَكُنْ تَعيش في حال الاسْتِقْرار والسَلام – لِأنَّ وجود خَليط مِنَ الأعْراق والديانات والثَقافات واللُغات، بِالإضافة إلى الفوارِقِ الاقْتِصادية الهائِلة بَيْنَهُم – فإنَّ نَظْرة على هذهِ التَرْكيبة المُعَقَّدة لا توحي بِأيِّ أَمَلْ في اسْتِقْرار أو سَلام بَيْنَ تِلْكَ الأعْراق لاسيَّما في تَزايُد حِدَّةِ التَناقُضات بَيْنَها – مِنْ هُنا كانَ الهَمَّ الأوَّل لِمُهَنْدِسِ التَجْرُبة الماليزية القَدير "الدُّكْتور مُحَمَّد مهاتير" العَمَل على ضَمان وجود علاقات جيِّدة بَيْنَ الأعْراقِ المُخْتَلِفة – ولَمْ يَكُنْ هذا ليَتِمَّ لَوْلا أنَّ "الملايو" الذينَ يُشَكِّلونَ غالبية السُّكْان قاموا بِمَدِّ أيْديهِم إلى الصينيين والهُنود ليُناضِلوا جَميعًا مِنْ أجْلِ الاسْتِقْلال.

أنْشأَ الأعْراق الثَلاثة أحْزابًا على أساس عِرْقي – وتَمَّ التَفاهُم على فَلْسَفة بَسيطة تَجْمَعْ بَيْنَ القوَتينِ السياسية والاقْتِصادية – فَالملايو الذينَ يُشَكِّلونَ الأغْلَبية يَتَمَتَّعونَ بِالقوة السياسية، بَيْنَما يَتَمَتَّعَ الصينيون والهُنود بِالقوة الاقْتِصادية ويَتَحَمَّل كُل طَرَف أعْباءَ القوة التي يَتَمَتَّع بِها – فَالسُلْطة السياسية وَحْدَها لَنْ تؤَدِّي إلى رَخاءِ الدَوْلة، مِثْلَما لا يُمْكِن لِلقوة الاقْتِصادية أنْ تَتَعاظَم وتَنْمو في بَلَدٍ غَيْرَ مُسْتَقِرسياسيًا – إنَّما عِنْدَما يَتِمَّ الجَمْعِ بَيْنَهُما مَعًَا يَتوافَرِ الاسْتقْرارِ السياسي والاقْتِصادي اللازمينَ لِبِناءِ الدَوْلة – هَذِهِ المُعادَلة التي اتَّسَمَتْ بِالعَقْلانية والتَفاهُمِ المُتَبادَل هي التي جَعَلَتْ ماليزيا مُسْتَقِرَّة لِتَبْدأ تَجْرِبَتِها الناجِحة في التَنْمية – وتَمَثَّلَتِ البِداية بِتَخْصيصِ الحُكومة ما يَزيد على 25% مِنَ الميزانية القومية "لِلتَعْليمِ والتَدْريب" ورَغْمَ أنَّ "الملايو" هي اللُغة الرَسْمية لِلبِلاد – فَقَدْ تَمَّ إعْلانِ "الإنْجليزية" لُغة ثانية – لأنَّهُ كانَ لِزامًا على العُمَّال الماليزيين أنْ يَتَلَقُّوا الإرْشادِ والتَدْريب اللازِم لِتأهيلَهُم لِلأعْمالِ الصِناعية على أيْدي مُديرين وخُبَراء أجانِب لا دِراية لَهُم بِلُغَةِ الملايو – ومِنْ ثَمَّ أصْبَحَتِ الإنْجليزية هي لُغَة المَعْرِفة والتَعْليم في كُلِّ أنْحاءِ ماليزيا – مِثْلَما كانَتْ اللُغة العَرَبية هي السائِدة إبانِ العَصْرِ الذَهَبي لِلحَضارة الإسْلامية.

خاضَتْ ماليزيا "تَجْرُبة التَصْنيع" تَحْتَ قيادة "الدُّكْتور مَهاتير" على الرَغْم مِنْ عَدَمِ امْتِلاكِها لِخِبْراتٍ صِناعية، ولَمْ يَكُنْ لَديْها رأسِ المال اللازِم لِتَكْلِفةِ المَشْروعات – فَضْلًا عَنْ غيابِ المَعْرِفة الإدارية أوِ العِلاقاتِ الاقتِصادية الخارجية المُرْتَبِطة بِالأسْواقِ العالَمية – فَكانَ اقْتِصادُها إبان حُقْبةِ الاحْتِلال يَقوم فَقَط على تَصْديرِ الموادِ الخام مِنَ القَصْدير والمَطاط بِشَكْلٍ تام – وكانَ التَوَجُّه لِلتَصْنيع لِإيجادِ فُرَص عَمَل لِلشَبابِ العاطِل هوَ الخيار الأمْثَل – فَلَمْ تَكُنْ مَزارِعِ المَطاط ومناجِمِ القَصْدير توَفِّر غَيْرَ فُرَصٍ قَليلة لِعَمَلِ نِسْبة ضَئيلة لِلغاية مِنَ السُّكْان – وفي هذا الإطار يَقول "الدُّكْتور مَهاتير" في حَديثٍ لَهُ "... إنَّهُ بِغَيْرِ إيجادِ فُرَص عَمَل لِشَعْبِنا، يُصْبِحُ الاسْتِقلال بِلا مَعْنى، وتؤدِّي هذهِ الحالة إلى تَهْديد المُشْكِلاتِ الإجْتماعية لِاسْتِقْرارِ الدَولة – وبِالنَظَرِ حَوْلَنا وَجَدْنا أنَّ التَصْنيع وَحْدَهُ هوَ الذي يُمَكِّنُنا مِنْ تَوفيرِ مَجالاتِ العَمَل اللازِمة لِأبْناءِ الشَعْب – وفي ظِلِّ عَدَمِ امْتِلاكِنا مَعْرِفة بِالتَصْنيع ورأسِ المال والأسْواق – كانَ لِزامًا عَليْنا أنْ نَسْتَعين بِالاسْتِثْمارِ الأجْنَبي ...!؟!..." ولِلعَمَلِ على جَذْبِ الاسْتِثْماراتِ الأجْنَبية قَدَّمَتْ الحُكومة الماليزية مَزايا لِلمُسْتَثْمرين تَتَمَثَّلْ في اعْفاءات ضَريبية، وإقامة مَناطِق صِناعية مُجَهَّزة بِالبِنْية التَحْتية الضَرورية، واشْتَرَطَتْ الحُكومة أنْ يَكونَ الانْتاجِ الصِناعي موَجَّهًا لِلتَصْديرِ الخارِجي – وإذا أرادَ المُسْتَثْمِرونَ بَيْع مُنْتَجاتِهِم في السوقِ المَحَلِّي، فإنَّ عَلَيْهِم أنْ يَقوموا بِدَفْعِ رُسوم مالية تُماثِل في قيمَتِها الرُسوم على المُنْتَجاتِ المُسْتَوْرَدة مِنَ الخارِج – كَما تَمَّ الاسْتِثْمار في الصِناعاتِ التي تَتَطَلَّب عَمالة كَثيفة لِلتَغَلُّب على مُشْكِلاتِ البَطالة – وكانَتْ هَذِهِ الاسْتِراتيجية المُتَكامِلة هي التي مَكَّنَتْ ماليزيا مِنْ نَجاح نَموذَجِها في التَنْمية.

بَعْدَ مُرور عِدَّة سَنوات تَراكَمَتْ الخِبْراتِ المَحَلِّية، وتَزايُد مُعَدَّل تَراكُم رأسِ المال – فَضْلًا عَنْ مُعَدَّلِ ادِّخار مُرْتَفِع لِلغاية حوالي 40% مِنْ إجْمالي الناتِجِ القَومي، بِالإضافة إلى صَنْدوقِ ادِّخارِ العاملينَ الذي بَلَغَتْ حَصيلَتَهُ أكْثَر مِنْ خَمْسينَ مليار دولار أمْريكي بِخِلاف صَنْدوقِ مَعاشاتِ الحُكومَة وبَنْكِ الادِّخارِ القَومي – هذهِ المُدَّخَراتِ الهائِلة كانَتْ أحَد أسْبابِ عَدَمِ اسْـتِدانة ماليزيا مِنْ "صَنْدوقِ النَقْدِ الدَولي" خِلالِ الأزْمة المالية في عامِ 1997م – وكانَتْ الأزْمة المالية التي ضَرَبَتْ  عَدَدًا مِنَ الدوَلِ الأسيوية اخْتِبارًا لِقُدُراتِ الماليزيين على الإدارة المالية الرَصينة التي مَكَّنَتْهُم – لَيْسَ فَقَطْ مِنَ التَغَلُّب على التَراجُعِ المالي، ولَكِنْ أيْضًا مِنْ إدارة تَنْمية الدولة دونَ الاعْتِمادِ على القُروضِ الخارجية – ومَعْ تَزايُد أنْشِطة الأعْمالِ المُتَنَوِّعة ارتَفَعَتْ حَصيلة الحُكومة مِنَ الضَرائِب التي يَتِم تَحْصيلِها مِنَ الشَرِكات – بَعيدًا عَنْ رواتِبِ وأُجورِ الموظَفين الحكوميين – ويَتِمَّ إنْفاقِ غالبيةِ الدَخْلِ على التَعْليم والبِنْية التَحْتية لِدَعْمِ النَهْضة الصِناعية ودَعْمِ مُسْتَوى مَعيشةِ الشَعْب ...!؟! – في كُلِّ عام يَتِمَّ إنْفاق 4/1 الميزانية على التَعْليم – بِما يَسْمَح بِسَفَرِ مِئاتِ الألوف مِنَ الماليزيين في بَعْثات إلى الخارِج لِكَسْبِ الخِبْراتِ والمَعارِف مِنْ جامِعات مُعْتَرَف بِمُسْتواها التَعْليمي العالي ...!؟! – فَضْلًا عَنْ قيامِ الحُكومة الماليزية بإنْشاءِ "سَبْعة عَشْرة جامِعة حُكومية"، وقيامِ القِطاعِ الخاص بإنْشاءِ أكْثَرْ مِنْ "عِشْرينَ جامِعة أُخْرى" بِهَدَف خِدْمَةِ المُجْتَمَع ورَفْعِ مُسْتوى التَعْليم – ولَيْسَ بِهَدَف الرِبْح كَمَشْروعات تِجارية. بِالإضافة إلى إنْشاء ما يَقْرُب مِنْ "500 مَعْهَد" لِلتَدْريبِ الصِناعي والإداري في المَجالاتِ المُتَنوِّعة – في ظِلِّ اتِّباعِ سياسة "النَظَر شَرْقًا" حَيْثُ يَتِم إرْسال الطُلاب والعاملين الماليزيين إلى اليابان وكوريا الجَنوبية لِلتَعْليم والتَدْريب واكْتِسابِ الخِبْرات.

عِنْدَما نالَتْ ماليزيا استْقْلالِها كانَ مُسْتوى دَخْلِ الفَرْد لا يَتَجاوَز "ثلاثُمائة دولار" – ومَعْ نَجاحِ التَجْرُبة التَنْمَوية الفَريدة ارتَفَعَتِ الأجور بِشَكْلٍ كَبير – إنَّما قَبْلَ ذَلِك َ كُلُّه – ارْتَفَعَتْ الإنْتاجية بِنِسْبةٍ تَزيد على الأجور فَتَحْصُلِ الشَرِكات على أرْباحٍ أكْبَر ويَزْدادِ الدَخْلِ الحُكومي بِشَكْلٍ كَبير ...!؟! – اليوم يَتَعَدَّى مُسْتوى الدَخْلِ أكْثَر مِنْ "خَمْسة آلاف دولار" لِلفَرْد – وأصْبَحَتْ ماليزيا رَغْم مُكَوِّناتِها العِرْقية والطائِفية والثقافية المُتَنَوِّعة تَعيش في سَلام واسْتِقْرار راسِخ بِفَضْلِ السياساتِ التَنْمَوية الناجِحة لِمايسْترو التَجْرُبة الماليزية "الدُّكْتور مهاتير مُحَمَّد" الذي تَمَكَّنَ مِنْ تَحقيق هذا الإنْجازِ الكَبير على مَدى عِشْرينَ عامًا مِنَ  الحُكْمِ الرَشيد لِتُصْبِح بِلادَهُ إحْدى "الدوَلِ العشْرين" الأكْثَر تَقَدُّمًا في العالَم – والأمْرِ الذي يُثيرُ الدَهْشة والإعْجاب – أنْ يُعيدُ الشَعْبِ الماليزي انْتِخابِ "الدُّكْتور مهاتير" لِإدارة شُئونِ البِلاد مِنْ جَديد – رَغْمَ تَجاوُزِهِ التِسْعين مِنَ العَمْر – ليَعْمَلَ على تَصْحيح مَسارِ التَجْرُبة الناهِضة – اسْتِمْرارًا مِنْهُ في العَطاء لِبِلادِهِ حتى الرَمَقِ الأخير ...!؟!... فَيالَهُ مِنْ "مُصْلِحٍ عَظيمْ" يَسْتَحِقُّ كُلَّ ثَناءٍ وكُلِّ تَقْدير ...!؟!.

Advertisements
Advertisements