الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

د. أحمد محمد بيبرس يكتب: صيامُكَ أمامَ المِرْآة

صدى البلد

مقصد الشريعة الغراء من وراء كل عبادة هو التقوى ، وقد غيّا الخالق سبحانه وتعالى الأمرَ بالصيام وذيّله بالتقوى، حيث  قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 183] . إذن التقوى والإخلاص هما مقصود عبادة الصيام،  التي ميَّزها الله بخاصية النسبة إليه تعالى من بين سائر العبادات، إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: "إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به". فأضاف البارئ - سبحانه - الصيام إلى نفسه دون سائر الأعمال لقصد المبالغة في تعظيمه وتشريفه، وأخبر أنه - عز وجل - يتولى مجازاة الصائم بنفسه، مبالغة في تعظيم الجزاء وشرفه.
ولما كان الصيام عملًا بالصبر على الشهوات الباطنة والملذات الظاهرة، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى إلا الصوم لا يراه إلا الله عز وجل كان حريًّا أن يقف المسلم بصيامه أمام المِرْآة ليرى من نفسه ما خفي على الناس من تجاعيد وخدوش في جبين صيامه.
الصوم شرع للنفوس الجامحة لتهذيبها، ومنها "النفس المتكبرة"؛ لأنها ترى نفسها أمام المرآة مقهورة ضعيفة على عكس ما هي عليه أمام الناس من ثوب الأنفة، يكسر الصوم شهوتها المستولية عليها، ويشعرها مع ما فيها من التعالي حاجتها إلى يسير الطعام والشراب، فرائحة الطعام تقض مضجعها فضلًا عن سيلان لعابه، وكما قالوا: المحتاج إلى الشيء ذليل به، حتى وصفه الحسن البصري هذه النفس فقال: "مسكين ابن آدم .. محتوم الأجل، مكتوم الأمل، مستور العلل، أسير جوعه، صريع شبعه، تؤذيه البَقَّة، وتُنْتِنُهُ العَرْقَة، وتقتله الشَّرْقَة".
هل رأى المتكبر نفسه حين يسأله المسكين ينظر له ويمدّ يده يطلب منه طعامًا له أو قوتًا لعياله فينهره، ويرده ولم يعطه، مع أن الله  - تعالى - نهاه فقال:{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10]، هل أحس بقرصة الجوع الباطنة التي يخفيها عن الناس هل بدت واضحة  في المرآة، هي هي ذات القرصة الدائمة عند هذا المسكين من شدة ما استولت عليه مزقت أضلاعه.
ولو حقق المتكبر لرأى الشعور الإنساني واحدًا لا اختلاف فيه، والاختلاف مطبوع في البطون لا في أصل الخلقة المكرمة،  ولو دقق في المِرْآة لرأى عقله في بطنه، وأن لهذا العقل أحكامًا على عواطفه، البطن والفرج  عقلان عمليان  في الواقع، فيهما هلاك الإنسانية إذا استشرت رغباتهما ولم تنضبط ، ولذلك كان القادر عليهما المتحكم فيهما ضامنًا لدخول الجنة كما في بشرى المعصوم – صلى الله عليه وسلم-: " مَنْ ضَمِنَ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ" [شعب الإيمان للبيهقي، حديث رقم 4572] والصوم خير معين على هذا، فإنه وقاية وحفظ يحقق هذا الضمان،  ولذا أمر به كوقاية: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»[صحيح البخاري حديث رقم 5065].
جوع وعطش إجباريّ يجلّي تجاعيد الإرهاق يبرق في المرآة ، من هنا يؤدب الصيام تلك النفس ويدربها ويعالجها كأن الصوم جرعة تطعيم تلزم كل مسلم تحوي ثلاثين حبَّة لتقوية المعدة، وتصفية الدم، وحياطة أنسجة الجسد من أن يصيبها عكر أو مرض.
ينتج عنه تقوية مناعة المسلم الدينية التي تلهب عنده صوت الرحمة التي تنادي بمساواة الجائع الغني للجائع الفقير فيلزم صاحب النفس المتكبرة نفسه الرحمة، تلك الصفة التي لا تنشأ إلا عن الإحساس بالألم أو إدراكه والتواضع وهو منزلة وسط بين منزلتي الكبر، ودناءة النفس محققة في المجتمع صفتي (الطمأنينة والمساواة) حينها يصبح للإنسانية كلمة مسموعة.
لو شمَّ المتكبر رائحة خُلُوفِ فَمِهِ الناتج من الصيام، الذي كان قبل ذلك معطَّرًا بأفضل أنواع المنظفات والروائح- هاجت نفسه، وتضجرت أخلاقه، وتغير مزاجه ، لكن لو دقق النظر وقلَّبه لوجد  أن إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن خُلُوفَ فَمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك الذي هو أطيب الروائح مكافأة عظيمة لتلك النفوس التي طابت بما عند الله تعالى.
"مِن هنا تشعر النفس المتكبرة بِطريقة عمَليَّة -واضحة كل الوضوح-، أنَّ الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، و أنَّها إنِّما تكون على أتمِّها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المُتعدِّدة".
والله أعلم.