تمر اليوم الذكرى الـ13 على رحيل المفكر الكبير محمود أمين العالم، والذي رحل عن عالمنا فى 10 يناير 2009، ويعد أحد أقطاب حركة اليسار في مصر، كما يعتبر رائد الواقعية الاشتراكية في الأدب، وواحدًا من أهم مؤسسي التيار اليساري في مصر والعالم العربي كله.
اشتهر المفكر الراحل محمود أمين العالم، بمواقفه وسجالاته ومعاركه الثقافية الكبيرة التي دخلها خلال حياته فقد دخل في صدامكبير مع مثقفي عصره، وكانت له معاركه الخاصة مع كبار المثقفين في مصر، ومن معاركه التي خاضها كانت مع الأديب الدكتور طه حسين والأديب الكبير عباس محمود العقاد، حيث عارضهما بشدة فى عدة قضايا، فقد كتب مقالات اختلف معهما فيها فى وجهتى نظرهما، وفى رؤيتهما حول الأدب.
وولد محمود أمين العالم بالقاهرة القديمة وتحديدا في الدرب الأحمر، فقد عاش حياته بين أزقة القاهرة، التي كتب عنها محفوظ، إذ بدأ تعليمه المنتظم في المدرسة الرضوانية الأولية بالقربية، ثم أخذت مسيرته الدراسية تتعثر في مدرسة النحاسين الابتدائية؛ وبعد عامين، فصلته المدرسة وذلك لعجزه عن إكمال سداد المصروفات، ولم تستطع أسرته دفع مصاريفه الدراسية، فصحبته أمه وقدمته إلى صاحب مطبعة هو الشيخ منير الدمشقي زوج أختها، كي يجد له عملا وعمل في المطبعة لفترة وجيزة، لكنه لم يغب كثيرا عن المدرسة فقد تقرر تخصيص منح مجانية للمتفوقين في سنوات الدراسة الابتدائية، من قبل الملك فؤاد بعد شفائه من مرض ألم به كما تذكر بعض المراجع.
بدأ اهتمامه بالفلسفة تحديدا بحكم ولعه وشغفه بالقراءة خلال المرحلة الثانوية، ليقرر بعد ذلك أن يدخل جامعة فؤاد الأول بعكس رغبة والده الذي كان يريد له أن يدرس اللغة العربية. وقد شهدت دراسته في تلك الفترة العديد من مراحل الانقطاع، لكن لم يسعفه لإكمالها بسبب ضيق الرزق فقد اضطرت أخته لبيع قطعة ذهبية كانت تخصها كي تساعده على التخرج، وبالفعل تخرج عام 1947 مع دفعة أنيس منصور طاويا بذلك آخر صفحة من صفحات معاناته التعليمية.
وعلى الرغم من تفوقه إلا أن الجامعة لم تعينه معيداً كما جرت العادة، فقد اضطر للعمل أميناً لمكتبة قسم الجغرافيا؛ حيث التقى هناك بشريكة حياته سميرة الكيلاني والتي كانت طالبة في قسم اللغة الإنجليزية آنذاك، وتزوجها عام 1952. ثم عين بعدها مدرساً مساعداً بالقسم الذي تخرج منه، بعد أن حصل على درجة الماجستير في الفلسفة عن رسالته التي حملت اسم "فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية" وقد نال عنها جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق، لكنه لم يستطع أن يكمل رسالته للدكتوراه والتي كانت حول "الضرورة في العلوم الإنسانية" إذ تم فصله من عمله إثر اعتقاله مع عدد من زملائه اليساريين والشيوعيين في العام 1954.
مؤلفات نقدية
بدأ الجميع يلتفت للعالم حين بدأ في كتابة مقالاته وتحديدا عام 1955، وذلك عندما أصدر مع زميله د.عبد العظيم أنيس كتابهما "في الثقافة المصرية" الذي أرخ من خلاله بداية التأسيس لمنهج الواقعية في النقد العربي؛ وذلك ردا على عدد من نقاد الجيل السابق، أمثال؛ العقاد وطه حسين وخصوصاً كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، إذ انتقدا فيه فكرة الارتباط بين العقلية المصرية وثقافة شمال البحر المتوسط التي بشر بها عميد الأدب العربي، لتتوالى بعد ذلك مؤلفاته النقدية العديدة..
مناضل عضوي
خرج من السجن بعد 5 أعوام وعمل كخازن كتب ثم صحفياً في مجلة "روز اليوسف"، وكان أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب، فترأّس هيئة الكتاب، وشغل منصب رئيس مجلس إدارة "أخبار اليوم" حتى عام 1967. وبعد أن تم حل الحزب الشيوعي، انضم إلى التنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي بدافع إيمانه بحماية الثورة، وقدقادته توجهاته الناصرية لقضية 15 مايو الشهيرة عام 1971؛ إلى السجن، حيث ألقي القبض عليه في بداية عهد السادات بتهمة "الخيانة العظمى"؛ ولكن ما لبثت السلطات أن أفرجت عنه لعدم ثبوت هذه التهمة، فقرر مغادرة مصر إثر تلقيه دعوة من جامعة أوكسفورد ليحاضر بها حول الدراسات العربية، وبعدها غادر إلى جامعة باريس محاضراً هناك في التخصص نفسه. وعلى الرغم من وجوده خارج بلده إلا إنه قد عارض اتفاقية كامب ديفيد ، فأُسقطت عنه الجنسية المصرية، وظل في منفاه ولم يعد لمصر إلا عقب اغتيال الراحل السادات عام 1981.
عاش محمود أمين العالِم، الذي لم تكن ابتسامة التواضع تفارقه أبدا حتى رحيله عام 2009م، فقد ظل مناضلا عضويا وكان دائم المراجعة لأفكاره حتى الماركسية منها، متمسكا بروح اليسار والعدالة الاجتماعية التي لطالما آمن وناضل لأجلها، داعياً المثقف دائماً إلى الاحتكام إلى ضميره.