قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. منال إمام تكتب: المحنة والباعث وبناء الأمم.. رؤية لتطوير التعليم في مصر

د. منال إمام
د. منال إمام

إن الإنسان ابن تجربته، كما أن الأمم وليدة ميراثها من المحن والنجاحات، من انكساراتها وانتصاراتها. فكل تجربة إنسانية تُسهم في تشكيل الوعي والوجدان، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. ومن هنا فإن تقدم الأمم لا يكون فقط بالنظر إلى الماضي كذكريات، بل باستثماره كدروس تنير الطريق نحو مستقبل أفضل.
نظرة على مسيرة التعليم في مصر: من خلال مطالعة تاريخ الفكر التربوي في مصر منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى اليوم، نجد أن التعليم المصري مر بمراحل متباينة من حيث الجودة والتوجهات. شهدت تلك المسيرة محاولات جادة للإصلاح، كما عرفت فترات من التراجع والتخبط.
ومن الملاحظ أن كثيرًا من رواد التربية والفكر في مصر أدركوا مبكرًا خطورة الانقياد للنماذج الغربية في التعليم، دون مراعاة لخصوصية المجتمع المصري بثقافته وتاريخه وقيمه. وقد قدم هؤلاء الرواد تحليلات نقدية واقعية، واقترحوا بدائل جادة، كان من الممكن أن تضع مصر في مصاف الدول المتقدمة لو أُخذت على محمل الجد.
طه حسين... وصرخة من الماضي: ومن أهم هذه الأمثلة محاولات الدكتور طه حسين، الذي كتب عام 1937 كتابه الشهير مستقبل الثقافة في مصر، كان تحليله دقيقًا وجريئًا، قدم فيه رؤيته للتعليم المجاني والشامل كأساس لبناء مجتمع قوي. ورغم مرور أكثر من 80 عامًا على هذا الكتاب، إلا أن كثيرًا من أفكاره لا تزال صالحة ومُلهمة حتى اليوم، لكن للأسف لم تجد تلك الرؤى استجابة حقيقية من أصحاب القرار.
المحن وبناء الأمم: من سنن الله في الكون أن المحن ليست نهاية، بل قد تكون بداية جديدة. فعندما يريد الله خلق أمة جديدة، فإنه غالبًا ما يبتليها بمحنة عظيمة، تكون حافزًا لإعادة البناء من جديد. والتاريخ الحديث يشهد بذلك. فألمانيا واليابان، مثلًا، خرجتا من الحرب العالمية الثانية مدمَّرتين تمامًا، اقتصادًا وبنيةً وإنسانًا. ولكن شعبيهما لم يستسلما، بل تحوّل الألم إلى باعثٍ للنهوض، وبُنِيت الدولتان على أسس جديدة حتى أصبحتا من أقوى دول العالم علميًا واقتصاديًا.
التعليم... مفتاح النهضة المصرية: بناءً على تلك القراءة التاريخية، فإن إصلاح التعليم في مصر لا بد أن يُنظر إليه على أنه مشروع وطني شامل، وليس مجرد إجراءات إدارية أو تعديل مناهج. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى:
•    رؤية واضحة تنطلق من فهم عميق لهويتنا واحتياجات مجتمعنا.
•    إرادة سياسية ومجتمعية تجعل من التعليم أولوية قصوى.
•    استثمار فعلي في المعلم، والمنهج، والبنية التحتية.
•    ثقافة داعمة تشجع على البحث والابتكار والعمل الجماعي.
•    مشاركة مؤسسات الدولة، خاصة الجامعات ومراكز البحوث، في وضع خطط استراتيجية مبنية على دراسات علمية دقيقة.
المقترح العام للتطوير: إن التصور المقترح لتطوير التعليم في مصر ينبع من عدة محاور أساسية:
1.    الهوية الثقافية: يجب أن تعكس المناهج الدراسية الشخصية المصرية بقيمها وتاريخها، دون عزلها عن التقدم العلمي الحديث.
2.    العدالة التعليمية: ضمان وصول التعليم الجيد لكل فئات المجتمع، دون تمييز طبقي أو جغرافي.
3.    إعداد المعلمين: ليس فقط على مستوى المادة العلمية، بل أيضًا على طرق التفكير النقدي والتربوي، والتفاعل الإنساني مع الطلاب.
4.    النظرة التطبيقية: للبحوث التربوية التي تتناول المشكلات التعليمية والاستفادة منها
5.    تحديث المناهج: بما يتناسب مع متطلبات المستقبل، وليس مجرد حشو معرفي بلا فائدة عملية.
6.    الربط بسوق العمل: بحيث تكون المدرسة والجامعة جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية، لا مجرد مؤسسات نظرية. ورغم التحديات التي نواجهها اليوم في التعليم، فإن الأمل لا يزال قائمًا. لدينا إرث تربوي وفكري يمكن البناء عليه، ولدينا تجارب دولية نستلهم منها، ولكن علينا أولًا أن نعي أن التعليم ليس رفاهية، بل هو وسيلتنا الوحيدة للنجاة والنهضة. وإذا كانت المحن تصنع الأمم، فإن اللحظة الحالية في مصر قد تكون هي المحنة التي تحتاج إلى باعث حقيقي... فهل نغتنم الفرصة؟