قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عقب فوزها بجائزة البريكس | «سلوى بكر».. صوت الهامش الذي وصل إلى العالم

سلوى بكر
سلوى بكر

في لحظة تستحق الاحتفاء، تُتوَّج الكاتبة المصرية سلوى بكر بجائزة «البريكس» الدولية المرموقة، لتضيف محطة جديدة إلى مسيرتها الأدبية التي امتدت لعقود، وتكرّس حضورها واحدًا من أهم الأصوات الروائية النسوية في العالم العربي، فوز بكر ليس مجرد تكريم مستحق لكاتبة لها حضورها الواضح، بل هو احتفاء برؤية أدبية ومشروع سردي كامل انشغل طويلاً بالهامش، وبالإنسان العادي، وبالأسئلة الكبرى حول الحرية والعدالة والذاكرة والهوية.

مسيرة بدأت من الواقع.. وذهبت أبعد من الخيال

وُلدت سلوى بكر في القاهرة عام 1949، ودرست المسرح والصحافة، قبل أن تبدأ رحلتها في عالم الأدب عبر جملة من الأعمال التي جمعت بين قوة الملاحظة ورهافة الرواية الفنية، اشتغلت في بداياتها كصحافية وناقدة مسرحية، وهو ما انعكس بوضوح على تكوين شخصيتها الإبداعية: وعي اجتماعي حاد، وقدرة على رصد التفاصيل الصغيرة داخل البنية الكبرى للمجتمع.

ظهرت بكر في زمن كان الأدب النسوي العربي يبحث عن هوية جديدة، فكانت واحدة من القليلات اللاتي قدمن مشروعًا مختلفًا: أدب ينطلق من التاريخ، من الشارع، من الحارة، من العوالم المنسية، وينسج صورًا شديدة الإنسانية لأبطال لا نسمع أصواتهم إلا في كتاباتها.

أدب يلتقط الهامش.. ويعيد تعريفه

ارتبط اسم سلوى بكر على مدى سنوات بروايات ومجموعات قصصية شكلت علامات مثل: «زينات في جنازة الرئيس»، «البشموري»، «كوكو سودان كباشي»، «من خبر الهناء والشفاء»، «نونة الشعنونة».

وفي كل هذه الأعمال نلمس الخيط الأساسي الذي يمر عبر مشروعها الإبداعي: إعادة الاعتبار لصوت المهمشين؛ سواء كانوا نساءً، فقراء، مساجين، مسنّين، أصحاب مهن بائدة، أو حتى مجموعات منسية في التاريخ المصري.

بكُتُبها كانت تفكك صورة المجتمع المصري عبر شخصيات واقعية، ذات معاناة ملموسة، لكنها تمتلك من القوة الداخلية ما يجعلها أيقونات سردية تقاوم القهر والظلم، وتخلق عالمًا خاصًا بها. لقد منحت بكر للمرأة تحديدًا مساحة جديدة، ليس بوصفها ضحية فقط، بل باعتبارها فاعلًا تاريخيًا وثقافيًا.

«البريكس».. لحظة دولية لكاتبة محلية الجذور عالمية الرؤية

جائزة «البريكس» تُعد واحدة من الجوائز الأدبية الدولية التي تركز على الأعمال ذات الأثر الثقافي والإنساني الواسع، وتمنح عادة للكتّاب الذين يعكسون في أعمالهم رؤى إنسانية عابرة للحدود، فوز سلوى بكر يدخلها إلى دائرة الاعتراف العالمي الأوسع، ويضع الأدب العربي عمومًا، والمصري خصوصًا، على خريطة جديدة من الاهتمام الدولي.

يُجمع النقاد على أن حصول بكر على الجائزة لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة تراكم طويل من العمل الجاد والكتابة المخلصة، فقد استطاعت طوال سنوات أن تحافظ على خط إبداعي ثابت، متسق، له بصمته المميزة التي تجمع بين الخيال والتاريخ والواقع الاجتماعي.

براعة في السرد.. واقتراب من روح الناس

تنتمي لغة سلوى بكر إلى المدرسة التي تمزج بين البلاغة والتقشف التعبيري، حيث لا مكان للزخرفة المفتعلة ولا للإفراط اللغوي، لغتها صافية، مرنة، مرتكزة إلى نبرة إنسانية خافتة لكنها مؤثرة، تعتمد على التخييل الشعبي، وعلى التراث المصري والعربي، وتدمج بين التاريخي واليومي، بين الشخصي والجماعي.

ولعل ما يميّز كتابتها هو قدرتها على منح البطولة لغير الأبطال، وتحويل التفاصيل الهامشية إلى وقائع روائية كبرى، وإعادة قراءة التاريخ من زوايا غير مألوفة.

اعتراف عالمي.. ومسؤولية جديدة

فوز بكر بهذه الجائزة يعيد التذكير بحقيقة مهمة: أن الأدب العربي، حين يكون صادقًا ومجددًا ومتصالحًا مع جذوره، يصبح قادرًا على الوصول إلى العالمية دون التنازل عن هويته، ومن هنا، يرى كثير من النقاد أن هذه الجائزة لا تُحسب لسلوى بكر وحدها، بل للأدب المصري والعربي بأكمله.

كما تُلقي الجائزة على الكاتبة مسؤولية مضاعفة، فهي الآن أمام جمهور عالمي جديد سيقرأ أعمالها بعين مختلفة، ويتفاعل مع شخوصها وقضاياها، ويكتشف من خلالها جزءًا آخر من الواقع المصري والعربي.

تواصل سلوى بكر اليوم حضورها الثقافي عبر الكتابة والمشاركة في الندوات والملتقيات الفكرية، وتحتفظ بقدرة استثنائية على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية، دون أن تفقد حساسيتها الفنية.

ومع فوزها بجائزة «البريكس»، تفتح صفحة جديدة في مسيرتها، تعزز قيمة الأدب الذي ينتصر للإنسان، ويمتح من الواقع لكنه لا يستسلم له.