في أجواء روحانية مهيبة، وتزامنًا مع احتفالات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيد الميلاد المجيد، شهدت كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط، قداس عيد الميلاد الذي ترأسه قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وسط مشاركة واسعة من أحبار وأساقفة الكنيسة، وحضور كثيف لآلاف المصلين القادمين من مختلف محافظات الجمهورية.
وبدأت مراسم قداس عيد الميلاد مساء السادس من يناير داخل الكاتدرائية، التي تحولت منذ افتتاحها إلى رمز ديني وثقافي يعكس مكانة مصر التاريخية ودورها الممتد في احتضان التنوع الديني وترسيخ قيم المواطنة والتعايش المشترك. وشارك في الصلوات لفيف من المطارنة والأساقفة والكهنة، إلى جانب حضور شعبي كبير، حيث امتلأت قاعات الكاتدرائية بالمصلين الذين توافدوا منذ الساعات الأولى للمشاركة في هذا الحدث الروحي الأهم في التقويم الكنسي.
وشهدت أجواء القداس حالة من الخشوع والسكينة، امتزجت بفرحة العيد، في مشهد يعكس عمق الإيمان وقوة الروابط الروحية التي تجمع أبناء الكنيسة، وسط تنظيم دقيق وإجراءات خدمية وأمنية ساهمت في توفير أجواء آمنة ومهيأة للاحتفال.

مشاركة الرئيس.. فرحة الأقباط ورسالة وطنية
وشهد قداس عيد الميلاد حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي حرص كعادته على مشاركة الأقباط فرحتهم بالعيد، في تقليد سنوي بات يحمل دلالات وطنية عميقة، ويعكس روح الوحدة الوطنية والتلاحم بين القيادة السياسية والشعب المصري بمختلف أطيافه.
واستقبل المصلون الرئيس بترحيب واسع وتصفيق حار، في مشهد عكس مشاعر الفرح والاعتزاز بهذه الزيارة التي تؤكد دعم الدولة لمبدأ المواطنة والمساواة، وترسخ رسالة مفادها أن المصريين جميعًا شركاء في الوطن، تجمعهم المحبة وتوحدهم القيم الإنسانية المشتركة.
وأكدت مشاركة الرئيس في قداس عيد الميلاد الرسائل التي تحرص الدولة المصرية على توجيهها داخليًا وخارجيًا، بأن مصر وطن يتسع لجميع أبنائه دون تمييز، وأن المناسبات الدينية تمثل فرصة متجددة لتأكيد وحدة النسيج الوطني، وتعزيز ثقافة التعايش والاحترام المتبادل.
عظة البابا تواضروس.. السلام والمحبة أساس البناء
وخلال القداس، ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظة عيد الميلاد، التي تناول فيها المعاني الروحية العميقة للميلاد، مؤكدًا أن السلام والمحبة والتسامح هي جوهر الرسالة التي جاء بها السيد المسيح، وداعيًا إلى التمسك بالقيم الإنسانية في مواجهة التحديات المختلفة.
وشدد البابا على أهمية العمل المشترك من أجل بناء مجتمع يسوده التفاهم والاحترام، وتغلب فيه لغة الحوار على الخلاف، مؤكدًا أن الأعياد الدينية تمثل فرصة لتجديد الإيمان وبث الأمل في النفوس. كما وجّه التهنئة للشعب المصري كافة، داعيًا الله أن يحفظ مصر وينعم عليها بالأمن والاستقرار.
القس بطرس فؤاد: الميلاد رسالة سلام وفرح لكل البشر
وفي سياق متصل، أكد القس بطرس فؤاد، كاهن كنيسة الكوكبان الأنبا بيشوي والأنبا كاراس بمدينة النور وعضو مجلس كنائس مصر، أن عيد الميلاد المجيد يمثل إشراقة جديدة للحياة وبداية لعام يحمل الأمل والسلام والتفاؤل.
وأوضح القس بطرس فؤاد أن بشارة الميلاد “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” تجسد المعنى الحقيقي لميلاد السيد المسيح، الذي جاء ليمنح العالم الفرح والأمان والسلام، مشيرًا إلى أن الميلاد لا يقتصر على كونه مناسبة دينية، بل يحمل معاني عميقة للخلاص والفداء وتجديد الحياة.
وأضاف أن هذه المناسبة تمنح الإنسان فرصة جديدة للنظر إلى الحياة بروح مملوءة بالأمل، وتؤكد أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، ثم ينعكس على المجتمع بأكمله. كما أشار إلى أن قداس عيد الميلاد بما يحمله من طقوس روحية وأجواء إيمانية يمثل فرحة خاصة للمسيحيين، ويعيد التأكيد على قيم المحبة والسلام.
مشاركة الرئيس.. فرحة خاصة ودلالة عميقة
وأعرب القس بطرس فؤاد عن اعتزازه الكبير بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات عيد الميلاد، مؤكدًا أن هذه الزيارة السنوية تضيف فرحة خاصة للعيد، وتعكس صورة مصر الحديثة القائمة على المواطنة والاحترام المتبادل.
واختتم حديثه متمنيًا أن تكون أيام عيد الميلاد أيام بركة وتجديد لكل المصريين، وأن يعم السلام والأمان والطمأنينة، وهي الرسالة التي جاء بها السيد المسيح بميلاده، لتظل مصدر رجاء وأمل للجميع.
كاتدرائية ميلاد المسيح.. رمز للعبادة والوحدة
وتُعد كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة واحدة من أبرز الإنجازات المعمارية الدينية في مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث تجمع بين الطراز القبطي الأصيل والحداثة المعمارية، وتستوعب آلاف المصلين، ما جعلها قبلة رئيسية للاحتفالات الكبرى، وعلى رأسها قداس عيد الميلاد المجيد.
ومع انتهاء القداس، استمرت مظاهر الاحتفال داخل محيط الكاتدرائية، حيث حرص العديد من المصلين على التقاط الصور التذكارية وتبادل التهاني، في أجواء اتسمت بالبهجة والتنظيم. وفي يوم العيد، توافد الأقباط منذ الصباح لتقديم التهنئة لقداسة البابا تواضروس الثاني، في تقليد كنسي واجتماعي راسخ يعكس علاقة القرب والمحبة بين البابا وأبنائه.
وشهدت الكاتدرائية حضورًا متنوعًا من مختلف الفئات العمرية، حيث اجتمع الشباب وكبار السن والأطفال في صورة تؤكد أن عيد الميلاد مناسبة جامعة تتجاوز حدود الطقوس الدينية، لتصبح احتفالًا اجتماعيًا وإنسانيًا يعزز قيم التواصل والترابط.
عيد الميلاد خارج الحدود.. رسالة مصرية للعالم
وفي السياق ذاته، قدم السفير الدكتور طارق دحروج، سفير جمهورية مصر العربية في باريس، التهنئة لنيافة الأنبا مارك، أسقف عام باريس وشمال إفريقيا، بمناسبة عيد الميلاد المجيد، خلال مشاركته في قداس عيد الميلاد بكاتدرائية السيدة العذراء مريم والملاك رافائيل في فرنسا.
ونقل السفير طارق دحروج تهنئة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أقباط مصر بالخارج، متمنيًا لهم الخير والبركات، ولمصر دوام الرخاء والازدهار. وأعرب عن اعتزازه بمشاركته الأولى مع أبناء الجالية القبطية في فرنسا، مشيدًا بالدور الروحي والوطني الذي تضطلع به الكنيسة القبطية في ربط أبناء الجالية بجذورهم وتعزيز قيم الانتماء.
وأكد أن هذا اللقاء يجسد صورة مصر التي تتسع للجميع، والتي كتب تاريخها المسلمون والمسيحيون معًا، مشددًا على أن أبناء الجالية المصرية في الخارج يمثلون سفراء لقيم مصر وصورتها المشرفة في المجتمعات التي يعيشون فيها.
ميلاد يجدد العهد بالوحدة
ويؤكد المشهد العام لاحتفالات عيد الميلاد المجيد، داخل مصر وخارجها، أن الكنيسة القبطية تواصل أداء دورها الروحي والوطني، وأن هذه المناسبة تمثل تجسيدًا حيًا للوحدة الوطنية والتعايش المشترك، في وطن يجمع أبناءه على المحبة والسلام، ويجدد مع كل ميلاد عهده بأن مصر ستظل وطنًا للجميع.