قبل أن ينتشر الفيديو الذي ظهر فيه الطبيب المصري في السعودية محمد عبد الغني، يستغيث باكيًا من خيانة أبنائه، كانت هناك حكاية طويلة لا يعرف تفاصيلها إلا القليلون.
حكاية تبدأ من شقة متواضعة بجوار مستشفى صغير في منطقة عسير بالسعودية، حيث عاش الرجل سنوات من التقشف الشديد، لا يعرف الترف ولا الرفاهية، فقط العمل المتواصل، والحرص المبالغ فيه، وحلم واحد لا يتغير.. أن يؤمّن مستقبل أولاده.
هذه التفاصيل لم تخرج على لسان الطبيب وحده، بل كشفها جار وصديق غربة عاش معه يومًا بيوم، هو المهندس نشأت خميس، الذي روى في تصريحات خاصة لـ صدي البلد ما شاهده بعينيه، مؤكدًا أن ما يقال عن تحويل عشرات الملايين ليس مبالغة، بل نتيجة طبيعية لعمر كامل من الشقاء والتنازل.
القصة من البداية.. 30 سنة غربة من أجل الأولاد
الدكتور محمد عبد النبي قاسم، طبيب مصري من مدينة الزقازيق، خرج من مصر شابًا بحثًا عن الرزق، متنقلًا بين أكثر من دولة، قبل أن يستقر لسنوات طويلة في المملكة العربية السعودية.
ثلاثون عامًا قضاها في الغربة، لم يكن هدفه خلالها جمع المال لنفسه، بل كما يقول “كنت شغال عشان أولادي يعيشوا أحسن عيشة”.
خلال هذه السنوات، لم يكن الطبيب يحتفظ بالأموال باسمه، بل وضع ثقته كاملة في أبنائه، فكانت الحسابات البنكية والعقارات والسيارات والتوكيلات الرسمية بأسمائهم.
وخلال آخر 16 عامًا فقط، قام بحسب قوله بتحويل ما يقارب 50 مليون جنيه مصري إلى أولاده، بخلاف الممتلكات الأخرى داخل مصر.
«رجعت على أمل الراحة.. لقيت الإنكار»
وعندما بلغ الطبيب 69 عامًا، قرر العودة نهائيًا إلى وطنه، ظنًا منه أن مرحلة الغربة انتهت، وأنه سيحصد ثمار تعبه في هدوء عائلي. لكن الصدمة كانت قاسية.
ويقول الطبيب إن ابنه، الذي ظل عاطلًا عن العمل لسنوات وكان هو من ينفق عليه، واجهه بجفاء غير متوقع، وبدلًا من الترحيب به، طالبه بإثبات أن الأموال التي حُولت إليه كانت تخص والده. “لقيته بيقولي: إثبت إن الفلوس دي فلوسك”، هكذا لخص الطبيب لحظة الانكسار.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل اتهم الطبيب ابنته الكبرى بأنها شاركت في هذا الموقف، ووقفت ضده، وهددته بالسجن، في مشهد وصفه بـ”الخيانة الكاملة”.
شهادة الجار.. «عِشت معاه.. وشفت تعبه»
المهندس نشأت خميس، جار الطبيب وصديقه في الغربة، قدّم رواية إنسانية تفصيلية عن حياة الدكتور محمد، مؤكدًا أنه كان مثالًا نادرًا للتقشف والالتزام.
ويروي خميس أنه تعرف على الطبيب عام 2010 داخل مستشفى بمحافظة المجاردة في منطقة عسير، حيث كان يعمل مديرًا طبيًا للمستشفى.
ورغم أن راتبه كان من أعلى الرواتب، ويصل إلى نحو 30 ألف ريال سعودي، إلا أن نمط حياته كان أقرب إلى الزهد.
ويقول خميس: “كان يقطع مسافات طويلة مشيًا في عز الحر، عشان يوفر كام ريال، ماكانش معاه عربية، وماكانش بيشتري حتى ازازة مية ساقعة”.
شقة بسيطة.. وأثاث مُستعمل
وبحسب شهادة الجار، استأجر الطبيب شقة متواضعة رغم قدرته المالية، بل كان يجمع بقايا الأخشاب من صناديق الأجهزة الطبية ليصنع منها سريرًا بيده، مستخدمًا منشارًا وأدوات بدائية، بدلًا من شراء أثاث جديد.
“كنت مستغرب.. راجل راتبه كبير وبيعمل كده ليه؟”، يتساءل خميس، قبل أن يجيب: “كل ده عشان أولاده”.
زوجة مريضة.. ووفاء حتى النهاية
أكثر ما يلفت في شهادة الجار حديثه عن زوجة الطبيب الأولى، التي كانت تعاني من مرض السرطان. ويؤكد خميس أن الدكتور محمد خدم زوجته بنفسه حتى آخر يوم في حياتها، ولم يفكر يومًا في التخلي عنها أو إعادتها إلى مصر.
وعندما توفيت داخل السعودية، أصر الطبيب على نقل جثمانها إلى مصر ودفنها هناك، متحملًا كل التكاليف والإجراءات، رغم تعقيدها، رافضًا أي حلول أسهل. ليقول الجار بحسم: “الراجل مقصرش في حق حد”.
ملايين بلا حساب شخصي
من النقاط الصادمة في القصة أن الطبيب بحسب الجار لم يكن يملك حسابًا بنكيًا باسمه داخل مصر، سوى حساب المعاش فقط، والذي كان أيضًا تحت تصرف ابنه. كل تحويلاته وأمواله كانت تمر عبر أولاده، بدافع الثقة الكاملة، قائلًا: “كان واثق إن تعبه محفوظ.. مكنش يتخيل إن في يوم يتقال له.. مالكش حاجة”.
هل الخوف من الميراث هو السبب؟
ويثير الجار تساؤلًا مهمًا حول دوافع ما حدث، مشيرًا إلى احتمال أن يكون الخوف من تقسيم الميراث، خاصة بعد زواج الطبيب مرة أخرى، سببًا في هذا التنكر.
ويتساءل خميس: “الـ15 سنة اللي فاتوا دول، اللي دخل فيهم عشرات الملايين، راحوا فين؟”، معتبرًا أن ما حدث لا يمكن تبريره بأي خلاف عائلي عادي.
من الغربة إلى مواقع التواصل
القصة التي ظلت حبيسة الجدران لسنوات، خرجت إلى العلن بعد انتشار فيديو الطبيب وهو يستغيث، منهكًا نفسيًا قبل أن يكون ماديًا. فيديو هز مشاعر المتابعين، وأعاد فتح النقاش حول قضايا عقوق الوالدين، والثقة المطلقة، وحدود التضحية.
قصة الدكتور محمد عبد النبي ليست مجرد نزاع عائلي على المال، بل مأساة إنسانية لرجل أفنى عمره في الغربة، اختار أن يعيش فقيرًا ليصنع لأبنائه حياة مريحة، فعاد ليجد نفسه غريبًا بينهم.