قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: الخوف من أن يحب غيرك.. هاجس يسكن كل علاقة

د. أمل منصور
د. أمل منصور

لا أحد يدخل علاقة عاطفية وهو يفكر بوعي كامل في احتمال أن يأتي يوم يميل فيه قلب الطرف الآخر إلى شخص جديد.. الفكرة ثقيلة، ومزعجة، وتحمل قدرًا كبيرًا من القلق. ومع ذلك، تظل هذه الفكرة كامنة في مكان ما داخل النفس، حتى لو لم تُقال بصوت مرتفع. لأن الحقيقة التي يعرفها الجميع في أعماقهم أن الحب، مهما كان قويًا، لا يأتي بضمان مكتوب. القلوب بشرية، والمشاعر كائن حي يتنفس ويتغير ويتأثر.

هذا الإدراك لا يعني أن العلاقات هشة بالضرورة، ولا يعني أن الخيانة أو التبدل قدر محتوم. لكنه يعني ببساطة أن الحب ليس عقد ملكية، وأن وجود شخص في حياة الآخر لا يلغي وجود العالم كله حوله. من هنا يولد سؤال صعب يمر في ذهن كثيرين: كيف أتعامل مع فكرة أن من أحب قد يحب شخصًا آخر يومًا ما؟.

هذا السؤال لا يخص النساء فقط، كما يتصور البعض، ولا يخص الرجال وحدهم أيضًا. إنه سؤال إنساني بامتياز، يطرق أبواب القلوب في لحظات القلق والضعف والغيرة.

المرأة غالبًا تشعر بهذا الهاجس بطريقة مختلفة قليلًا. ليس لأن قلبها أضعف، بل لأن تكوينها العاطفي يجعلها أكثر حساسية تجاه الإشارات الصغيرة. نظرة عابرة، اهتمام مفاجئ، تغيير بسيط في نبرة الصوت… كلها قد تتحول داخل عقلها إلى أسئلة كثيرة.
هل ما زال يحبني بنفس القدر؟.. هل ظهر في حياته شخص يراه أجمل أو أخف أو أكثر إثارة للاهتمام؟

هذه الأسئلة لا تعني أن المرأة غير واثقة في نفسها، لكنها تعكس طبيعة ارتباطها العاطفي العميق. المرأة، في كثير من الأحيان، لا تحب بعقلها فقط، بل بكل تفاصيلها الداخلية. لذلك، فكرة أن قلب الرجل قد يميل إلى غيرها تبدو كأنها تهديد لشيء أكبر من مجرد علاقة. تبدو كأنها تهديد لشعورها بالأمان.

لكن في الجهة الأخرى، الرجل أيضًا يحمل هذا الخوف، حتى لو لم يعترف به بسهولة. المجتمع اعتاد تصوير الرجل ككائن واثق لا يهتم بفكرة المنافسة العاطفية. الحقيقة أكثر تعقيدًا. الرجل يحب أن يشعر أنه الاختيار الأول في قلب المرأة التي يحبها. يحب أن يصدق أن حضوره في حياتها مختلف، وأن أحدًا لن يستطيع أن يأخذ مكانه.

الخوف من أن تحب المرأة رجلًا آخر قد يوقظ لدى الرجل مشاعر خفية من الغيرة والقلق، وربما الغضب أحيانًا. ليس فقط لأن فكرة الفقد مؤلمة، بل لأن الرجل بطبيعته يميل إلى الشعور بالمسؤولية عن العلاقة. لذلك قد يرى في احتمال ميل قلبها إلى شخص آخر نوعًا من الفشل الشخصي.

وسط هذه المشاعر المتشابكة، يظهر السؤال الأهم: هل يجب أن نخاف فعلًا من هذه الفكرة؟

الخوف في حد ذاته ليس المشكلة. الخوف شعور طبيعي، خاصة في العلاقات التي تحمل قيمة حقيقية. الإنسان لا يخاف فقدان ما لا يعني له شيئًا. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الخوف إلى هاجس دائم يفسد العلاقة بدل أن يحميها.

بعض الناس يحاولون مواجهة هذا القلق بالسيطرة. يراقبون كل التفاصيل، يسألون كثيرًا، يشكون في كل تصرف. ظنًا منهم أن الانتباه الشديد سيمنع أي احتمال لظهور شخص آخر. لكن الواقع يقول إن السيطرة لا تصنع الحب، بل تخنقه. القلب لا يبقى بسبب القيود، بل بسبب الرغبة.

هناك من يختار طريقًا آخر، طريق الإنكار. يتظاهر بعدم التفكير في الأمر تمامًا، وكأن العلاقات محصنة بطبيعتها. هذا النوع من الثقة المفرطة قد يبدو جميلًا، لكنه أحيانًا يغفل حقيقة مهمة: الحب يحتاج إلى رعاية دائمة، مثل أي شيء حي.

الطريقة الأكثر نضجًا للتعامل مع هذه الفكرة تبدأ بفهم بسيط: وجود احتمال لا يعني وقوعه. العالم مليء بالناس، والقلوب قادرة على الإعجاب بكثيرين، لكن الاختيار الحقيقي يحدث كل يوم. العلاقة الناجحة ليست تلك التي لا يوجد خارجها أحد جذاب، بل تلك التي يختار فيها الطرفان بعضهما رغم وجود كل الآخرين.

هنا يظهر الفرق بين الحب كعاطفة عابرة، والحب كقرار. العاطفة قد تتأثر بالظروف والملل والروتين، لكن القرار يتشكل من القيم والاحترام والارتباط العميق.

المرأة التي تفكر في احتمال أن يحب الرجل غيرها تحتاج أولًا إلى أن تتصالح مع فكرة مهمة: قيمتها لا تتحدد فقط بوجوده في حياتها. العلاقة الصحية لا تقوم على خوف دائم من الخسارة، بل على شعور داخلي بالاستحقاق. المرأة التي تعرف قيمتها لا تعيش في قلق دائم من البدائل، لأنها تدرك أن وجودها في حياة الرجل ليس صدفة عابرة.

والرجل أيضًا يحتاج إلى فهم شيء مشابه. المرأة لا تبقى فقط بسبب الحب، بل بسبب الإحساس بالأمان والاحترام والتقدير. الخوف من أن تحب غيره قد يتحول إلى دافع إيجابي لو فهمه بطريقة صحيحة. ليس كتهديد، بل كتذكير بأن العلاقة تحتاج حضورًا حقيقيًا، لا مجرد افتراض أن المشاعر ستظل كما هي إلى الأبد.

في كثير من العلاقات، المشكلة لا تكون في ظهور شخص ثالث، بل في الفراغ العاطفي الذي يسبق ظهوره. القلوب لا تبحث عن بديل بلا سبب. غالبًا ما يبدأ الأمر بإحساس بسيط بالإهمال أو الغياب العاطفي أو عدم التقدير. ومع مرور الوقت، يصبح القلب أكثر قابلية للتأثر بأي اهتمام جديد.

هذا لا يبرر الخيانة ولا يبرر التبدل، لكنه يشرح كيف يمكن للعلاقات أن تضعف دون أن يلاحظ الطرفان ذلك.

من هنا تأتي أهمية الوضوح. العلاقة التي تسمح بالكلام الصادق عن المخاوف والهواجس تكون أكثر قدرة على الصمود. ليس مطلوبًا أن يعيش الطرفان في شك دائم، لكن الصراحة حول الاحتياجات العاطفية تمنع تراكم المسافات غير المرئية.

الأمان في العلاقات لا يأتي من ضمانات مطلقة، بل من شعور متبادل بأن كل طرف يرى الآخر ويقدره. الأمان الحقيقي يولد من تفاصيل صغيرة: اهتمام صادق، حضور حقيقي، احترام للمشاعر، ورغبة مستمرة في البقاء.

الإنسان لا يستطيع أن يسيطر على كل ما قد يحدث في المستقبل، لكنه يستطيع أن يخلق بيئة تجعل الحب أكثر احتمالًا للبقاء. علاقة مليئة بالتقدير والصدق والاهتمام تقل فيها فرص التبدل، ليس لأن العالم توقف عن الوجود، بل لأن القلب وجد ما يكفيه.

في النهاية، فكرة أن من نحب قد يحب غيرنا تبقى فكرة مزعجة، وربما ستظل كذلك دائمًا. لكنها قد تحمل جانبًا مفيدًا أيضًا. هذه الفكرة تذكرنا أن الحب ليس شيئًا نملكه مرة واحدة ثم نطمئن. الحب علاقة حية تحتاج إلى حضور واهتمام وتغذية مستمرة.

القلوب لا تبقى بسبب الخوف، ولا بسبب العادة فقط. القلوب تبقى لأنها تجد في العلاقة معنى يجعلها تختار البقاء مرة بعد مرة.

ربما لا توجد ضمانات كاملة في الحب، لكن هناك شيء أهم من الضمانات: رغبة صادقة من شخصين في أن يكون كل منهما البيت الذي لا يبحث الآخر بعده عن عنوان جديد.