نحن نعيش الآن واحدة من أخطر اللحظات التاريخية التي تمر بها المنطقة، حيث تداخلت صدمة تغيير رأس الهرم في طهران مع اشتعال جبهات القتال من مضيق هرمز وصولاً إلى قلب تل أبيب، في مشهد يعيد رسم خارطة النفوذ بالدم والنار.
• أولاً: التحول البنيوي في القيادة الإيرانية
يعد تنصيب مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للجمهورية الإيرانية خلفاً لوالده الراحل بمثابة إعلان عن مرحلة "الصدام الشامل".
هذا الاختيار، الذي تم تحت وطأة الغارات الجوية العنيفة، يعكس رغبة النظام في الحفاظ على التماسك الداخلي والالتفاف حول شخصية تجمع بين "شرعية النسب" و"النفوذ العميق" داخل أروقة الحرس الثوري.
إن ما يواجهه المرشد الجديد ليس مجرد تحدٍ سياسي، بل هي معركة وجودية يسعى من خلالها لتثبيت أقدامه عبر الرد العسكري المباشر، متسلحاً برغبة في الانتقام الشخصي والسياسي بعد فقدان أفراد من عائلته في الضربات الأخيرة.
• ثانياً: استراتيجية "نقل المعركة" إلى العمق واختراق الحصون تجاوزت العمليات العسكرية الأخيرة مفهوم "قواعد الاشتباك" التقليدية، لتنتقل إلى استهداف عصب الحياة في الجانب الآخر:
- مطار بن غوريون ومنشآت الطاقة: يمثل استهدافه بالصواريخ الثقيلة محاولة جادة لعزل إسرائيل دولياً وشل حركتها الجوية، وهي رسالة وصلت أصداؤها سريعاً عبر تعطل الملاحة والقلق الذي ساد الأوساط الدولية، بالتوازي مع ضرب محطة الكهرباء الرئيسية التي أغرقت مناطق واسعة في الظلام.
- ضرب الرؤوس السياسية: الأنباء المتداولة عن استهداف المسيرات لمنزل الوزير المتطرف "إيتمار بن غفير" والمنشآت الأمنية الحساسة تشير إلى أن طهران بدأت تتبع سياسة "العين بالعين"، مستهدفة المحرضين السياسيين رداً على استهداف قياداتها، وهو ما يعزز حالة الإرباك الداخلي لدى الخصم ويضربهم بالرعب فى قلوبهم وهو اقسى وقد وصفه الله ورسوله فى الكتاب والأثر .
• ثالثاً: فشل نظرية "الانهيار السريع" وصمود البنية بصفتكم باحثاً استراتيجياً، تدركون أن مراهنة واشنطن (بإدارة ترامب) وتل أبيب على أن الضربات المركزة ستؤدي إلى انهيار فوري في البنية السياسية الإيرانية قد ثبت عدم دقتها حتى الآن. فرغم حجم الدمار، أظهر النظام قدرة على ترميم قيادته في ساعات، بل وانتقل من الدفاع إلى الهجوم الشامل عبر موجات صاروخية فرط صوتية وعنقودية أربكت رادارات الإنذار المبكر في المنطقة، مما أدى لتقليص زمن الاستجابة الدفاعية إلى أدنى مستوياته، وهو ما يضع الكفاءة العسكرية الغربية أمام تساؤلات كبرى.
• رابعاً: الرؤية الدينية والسياسية للصراع :
إن هذا الصراع لا ينفصل عن جذوره العميقة؛ فما نراه هو تجسيد لسنن المدافعة في الكون، حيث "يُؤْتِي الْمُلْكَ مَن يَشَاءُ وَيَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن يَشَاءُ". إن محاولات فرض الهيمنة المطلقة تقابلها دائماً مقادير إلهية تجعل من استنزاف الخصوم وسيلة لتبديد أحلامهم في السيطرة. ويبرز هنا الصمود العربي والخليجي كحائط صد يرفض الانجرار إلى فوضى عارمة تخدم الأجندات الغربية أو الإقليمية المتطرفة، متمسكاً بالحكمة التي تحفظ دماء الأبرياء ومقدرات الأوطان.
• الخلاصة: المنطقة الآن في "عنق الزجاجة"؛ فإما الذهاب نحو تسوية اضطرارية تضمن هدوءاً هشاً، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف كبرى قد لا تتوقف عند حدود الجغرافيا الحالية وتطال أمن الطاقة العالمي في مقتل.
ياسر ابراهيم عبيدو يكتب: عهد "مجتبى" ومعادلة الردع الجديدة