قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: ظِلال الطمأنينة في هجير الغربة

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​ عند بئر "مَدين"، لم يكن الماء هو الغاية الوحيدة، بل كان المشهد درساً في الستر والسكينة خلّده الوحي. هناك، وسط زحام الرعاة، وقف نبي الله موسى، الغريب الذي لا يملك سوى افتقاره لله ويقينه في رحمته، ليراقب مشهداً يأسر القلوب؛ فتاتان تحميان أغنامهما في صمت، وتلوذان بظلال العفة بعيداً عن صخب الرجال، آثرتا الانتظار تحت شمس التعب على أن يُخدش حياؤهما بمزاحمة لا تليق ببيوت الصالحين.

​وحين سألهما موسى: "ما خطبكما؟"؛ لم يجد منهما شكوى أو ضعفاً، بل جاء ردهما واضحاً وعزيزاً، كما ورد في سورة القصص: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. "لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ".. صَدَقَ اللهُ العَظِيم.

​ويحمل قولهما "حتى يُصدر الرعاء" دستوراً بليغاً؛ فحواه أنهما لا تبدآن بالسقيا إلا بعد انصراف الرجال تماماً، ترفعاً عن الاختلاط وصوناً لكرامتهما. لقد كان خروجهما للعمل واجباً لإعالة بيتهما، وانتظارهما عند البئر حمايةً لستر أنفسهما. وبشهامته الفطرية، سقى لهما موسى ثم تولى إلى الظل، لا ليطلب راحة الجسد فحسب، بل ليشكو غربته لربه الذي يعلم صدق سعيه، فجاء صوته بفيض اليقين من ذات السورة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. "رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ".. صَدَقَ اللهُ العَظِيم.

​ويمنحنا هذا الافتقار لله بياناً شافياً؛ فموسى لم يطلب خبزاً أو مأوى بلسانه، بل أعلن حاجته لـ "خير الله" أينما كان، مؤمناً بأن المعطي هو الخالق وحده، ومسلماً أمره للفضل الإلهي لا لسؤال المخلوق. ولم يتأخر الجزاء الإلهي لهذا اليقين، إذ سرعان ما تجسدت الإجابة في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا".. صَدَقَ اللهُ العَظِيم.

​في تلك اللحظة، تبددت وحشة الغربة؛ فقد وجد الأنس في الستر الذي سعى إليه وبذله. وكان الحياء الذي ظهر في مشية إحداهما حين جاءت تدعوه، بمثابة الوطن الذي آوى وحدته؛ ففي تلك المشية المترددة بوقار، وجد موسى الطمأنينة التي افتقدها في دروب النزوح، وكأن عفة تلك الفتاة كانت أول جدارٍ حقيقي يرتفع ليحمي غربته، ويمنحه الشعور بالأمان.

​تؤكد لنا هذه القصة عبر الزمان أنَّ المغترب الذي يغلق بابه اليوم في بلادٍ بعيدة، ليس إلا امتداداً لظل موسى الذي لجأ إليه بعد عناء السعي. فخلف الجدران الصامتة، تدور معارك يربحها الإنسان بصبره، مدفوعاً بنبل الغاية. فالمغترب حين يختار طريق الرزق الحلال ويتحمل وعثاء الوحدة، يبني في الحقيقة قصراً من الستر لأهل بيته في الوطن، قطعةً بقطعة، وعرقاً بعرق.

​وهنا يتجلى جوهر الحقيقة في عبارتي التي أراها تختصر المسافات وتُعرّف الغربة بتعريفٍ جديد: "في خلوة الغربة الستر يؤنس الوحدة". فالستر ليس مجرد غيابٍ عن الأعين، بل هو معية ربانية تملأ فراغ المكان. فعندما يشعر كل بطل كادح أن الله يستر تعبه وضعفه، وحاجة أهله بفضل كدحه، تتحول وحدته من سجنٍ ضيق إلى خلوة مطمئنة. إن الستر هنا يعمل كأنيسٍ خفي، يهمس في أذن المغترب كلما اشتد عليه الحنين: "لست وحدك، فالله الذي سقى لموسى بفضلك، سيسقيك من فيض كرمه". هذا اليقين بأن العناء وديعةٌ عند الله، يجعل من صمت الغرف البعيدة صلاةً مستمرة، ومن الرزق الحلال رفيقاً يطرد اليأس، ويجعل من صمود المغترب ملحمةً تليق بوارثٍ لخطى الأنبياء.