قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

غزة ما بعد الحرب| لجنة تكنوقراط تُولد من رحم الدمار.. هل تنجح في تثبيت السلام وإنهاء الانقسام؟.. سمير فرج يجيب

سمير فرج
سمير فرج



في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وبين ركام حرب طويلة تركت قطاع غزة منهكًا على المستويات كافة، جاء قرار تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية كأحد أكثر الأفكار تداولًا على طاولة الوسطاء الإقليميين والدوليين. 

فجاءت الفكرة وهي لا تنفصل عن مساعي تثبيت وقف إطلاق النار، ولا عن محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه من واقع إنساني بات على شفا الانهيار الكامل، وسط حسابات سياسية معقدة وتشابك مصالح محلية ودولية.

خطوة في الاتجاه الصحيح أم حل مؤقت؟

واعتبر قيادي بارز في حركة حماس أن الإعلان عن تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة قطاع غزة يمثل خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح، ليس فقط لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، بل أيضًا لتجنب العودة إلى مربع الحرب، وفتح الباب أمام معالجة الأزمة الإنسانية الكارثية التي يعيشها القطاع منذ سنوات، وتفاقمت بشكل غير مسبوق خلال الحرب الأخيرة.

وقال باسم نعيم، القيادي في حركة حماس، إن هذه الخطوة تشكل أساسًا عمليًا لتنفيذ الاتفاقات المعلنة، وتهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة، مشددًا على أن نجاح اللجنة مرهون بتمكينها فعليًا من أداء مهامها دون عرقلة أو مماطلة.

دور مصري ودعم فلسطيني واسع

في هذا السياق، أعلنت مصر، إحدى الدول الرئيسية الوسيطة في ملف غزة، التوصل إلى اتفاق بشأن أسماء أعضاء اللجنة المقترحة، والتي تتكون من 15 شخصية فلسطينية ذات طابع مهني وتكنوقراطي. 

الإعلان المصري لقي ترحيبًا ودعمًا من مختلف الأطراف الفلسطينية، في مؤشر نادر على وجود مساحة توافق في ملف طالما اتسم بالانقسام الحاد.

وأكدت حماس، في أكثر من مناسبة، أنها لا تسعى إلى أي دور في الإدارة المقبلة لقطاع غزة بعد الحرب التي استمرت عامين مع إسرائيل، وأنها ستكتفي بدور رقابي يهدف إلى ضمان الاستقرار وتسهيل جهود إعادة الإعمار، في تحول لافت في خطاب الحركة مقارنة بمراحل سابقة.

الكرة في ملعب الوسطاء والمجتمع الدولي

وشدد باسم نعيم على أن المسؤولية الآن تقع على عاتق الوسطاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة بصفتها الضامن الرئيسي، إضافة إلى المجتمع الدولي، من أجل تمكين اللجنة من العمل ومواجهة ما وصفه بمخططات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمماطلة والتعطيل.

وأشار إلى أن الأهم من تشكيل اللجنة بحد ذاته هو أن تكون نقطة انطلاق لمسار سياسي فلسطيني أوسع، يبدأ بإنجاز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وصولًا إلى تحويل اللجنة المؤقتة إلى حكومة وحدة وطنية تعكس وحدة الجغرافيا السياسية الفلسطينية، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني.

غطاء سياسي أمريكي وخطة سلام مثيرة للجدل

ويأتي تشكيل لجنة التكنوقراط ضمن بنود خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، وهي خطة أثارت جدلًا واسعًا منذ الإعلان عنها، بسبب طبيعة الدور الأمريكي المباشر فيها، وحجم النفوذ الممنوح للإدارة الأمريكية في إدارة المرحلة الانتقالية.

ومن المقرر أن تعمل اللجنة برئاسة المهندس علي شعث، وتحت إشراف ما يعرف بـ«مجلس السلام»، وهو كيان انتقالي يُفترض أن يشرف على إدارة قطاع غزة، ويرأسه الرئيس الأمريكي نفسه، في سابقة غير معهودة في إدارة النزاعات الإقليمية.

وبإعلان تشكيل اللجنة، تدخل الخطة الأمريكية مرحلتها الثانية، وفق ما أكده المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، الذي أوضح أن هذه المرحلة ستطلق العملية الكاملة لنزع السلاح وإعادة إعمار غزة، بما يشمل تجريد كل العناصر غير المؤهلة من أسلحتها.

شروط صارمة وتحذيرات أمريكية

وأكد ويتكوف أن الولايات المتحدة تنتظر من حركة حماس الامتثال الكامل للالتزامات التي قطعتها، وعلى رأسها الإعادة الفورية لجثة آخر الرهائن، محذرًا من أن أي إخلال بهذه الالتزامات قد يؤدي إلى «عواقب خطيرة»، دون توضيح طبيعة تلك العواقب.

وفي إطار التنسيق السياسي، من المفترض أن يتولى الدبلوماسي والسياسي البلغاري نيكولاي ملادينوف رئاسة هيئة التنسيق بين مجلس السلام ولجنة التكنوقراط، وقد أجرى بالفعل لقاءات منفصلة مع مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، في محاولة لتقريب وجهات النظر وضمان انسيابية تنفيذ الخطة.

 

من يدير غزة؟ سؤال الإدارة لا يقل أهمية عن الأمن

في هذا السياق، أوضح اللواء سمير فرج الخبير الاستراتيجي أن القضية لا تتعلق فقط بالأمن أو بالتهدئة، بل بإدارة حياة يومية كاملة لملايين الفلسطينيين داخل القطاع. فهناك مؤسسات يجب أن تعمل.. جوازات السفر، أقسام الشرطة، تسجيل المواليد، الشؤون المدنية، وغيرها من تفاصيل الدولة. وهنا يبرز السؤال الجوهري.. من يدير كل ذلك؟.

الإجابة، بحسب فرج، تتمثل في تشكيل حكومة تكنوقراط، لا تنتمي إلى أي فصيل سياسي، ولا تضم عناصر من حركة حماس أو من الجماعات المسلحة المناهضة لإسرائيل.

حكومة تكنوقراط من 15 شخصية

وأشار الخبير العسكري إلى أن المقترح المطروح يتضمن اختيار 15 شخصية، ذات خبرة إدارية وفنية، تتولى إدارة قطاع غزة في مرحلة انتقالية. هؤلاء لا ينتمون لأي تنظيم مسلح أو فصيل سياسي، والهدف من اختيارهم هو إدارة الشأن اليومي بعيدًا عن الصراعات الأيديولوجية، وتهيئة الأجواء لمرحلة أكثر استقرارًا.

مجلس حكماء ودور إقليمي داعم

ولم يتوقف المقترح عند هذا الحد، بل يشمل أيضًا تشكيل ما يُعرف بـ«مجلس حكماء» أو «مجلس أعلى»، يضم عددًا من الدول العربية المؤثرة، مثل مصر والسعودية وقطر، إلى جانب دول أخرى. هذا المجلس ستكون مهمته الإشراف والدعم وضمان سير العملية السياسية، في إطار استعداد إقليمي للمساهمة في تحقيق السلام وإعادة الإعمار.

عقدة التنفيذ.. إسرائيل وحماس في مأزق الشروط المتبادلة

لكن فرج شدد على أن العقبة الكبرى لا تزال قائمة، فإسرائيل تربط تنفيذ المرحلة الثانية من أي اتفاق بتسليم حركة حماس لسلاحها، بينما ترفض حماس التخلي عن سلاحها بالكامل. ومن هنا دخل الملف في ما وصفه بـ«معضلة البيضة أم الفرخة».. من يبدأ أولًا؟.

وبينما تشير بعض المقترحات إلى إمكانية تسليم السلاح الثقيل فقط، مع الاحتفاظ بالسلاح الخفيف، ترى إسرائيل أن ذلك غير كافٍ، وتسعى للظهور أمام شعبها بمظهر الدولة الحازمة القوية.

ويختتم اللواء سمير فرج تحليله بالتأكيد على أن المشهد لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، وأن نجاح أي تسوية مرهون بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية. فبين حكومة التكنوقراط، والدعم الإقليمي، وتعقيدات السلاح والانسحاب، يبقى مستقبل غزة معلقًا بانتظار لحظة توافق قد تفتح باب السلام.. أو تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

في الختام، يبقى مستقبل قطاع غزة معلقًا بين الآمال الحذرة والمخاوف العميقة. فبين لجنة تكنوقراط تحظى بدعم فلسطيني وإقليمي، وخطة سلام أمريكية مثيرة للجدل، وتعقيدات السلاح وشروط التنفيذ، يقف القطاع على مفترق طرق حاسم. 

فنجاح هذا المسار مرهون بمدى استعداد الأطراف كافة لتقديم تنازلات حقيقية، قد تفتح باب السلام وإعادة الإعمار، أو تعيد المشهد برمته إلى نقطة الصفر.