قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

شحاته السيد يكتب: الرسائل المشفرة في كتاب «الاتزان الاستراتيجي للخارجية المصرية»

شحاتة السيد
شحاتة السيد

هذا الكتاب ليس بياناً رسمياً بالمعنى التقليدي ولا تقرير إنجاز حكومي يراد له أن يقرأ على عجل ثم يطوى.
كتاب «الاتزان الاستراتيجي للسياسة الخارجية المصرية» أقرب إلى خريطة ذهنية للدولة وهي تعيد تعريف موقعها في عالم مضطرب، وتكتب سطور سياستها الخارجية بحبر بارد لا يعرف الانفعال ولا يسمح بالاندفاع. 
من يقرأه قراءة حتى ولو قراءة سطحية سيخرج بانطباع مريح عن «توازن» و«تنويع شراكات» و«رفض استقطاب»، لكن من يتوقف قليلًا بين السطور سيكتشف أن النص مليء برسائل مشفرة، موجهة للخارج بقدر ما هي موجهة للداخل، وتحمل تعريفًا جديدًا لمعنى القوة، وحدود الحركة، وسقف الطموح في زمن الانكسارات الكبرى.

أول الشفرات الكبرى في الكتاب أن «الاتزان الاستراتيجي» ليس موقفًا أخلاقيًا ولا حيادًا سلبيًا، بل اختيار واعٍ لتقليص الخسائر في نظام دولي لم يعد يعترف بالقواعد التي صاغها بنفسه. 
هنا لا تقدم مصر نفسها كدولة تبحث عن دور بطولي أو زعامة خطابية، بل كدولة ادركت جيداً تكلفة الفوضى، ورأت كيف تحولت شعارات التغيير السريع إلى أنقاض دول. لذلك يصبح الاتزان مرادفًا للبقاء أولًا، ثم للحركة المحسوبة، ثم لتوسيع هامش المناورة دون كسر العظام.

الكتاب يقول بوضوح بلغة دبلوماسية ناعمة، أن عصر الأحلاف الصلبة انتهى أو على الأقل لم يعد صالحًا لدول بحجم مصر وموقعها. وأن رفض الاستقطاب الدولي هنا ليس شعارًا تجميليًا، بل اعتراف ضمني بأن الانحياز الكامل في عالم متعدد الأقطاب هو مقامرة خاسرة. 
ولعل من يتمعن سيفهم أن الرسالة المشفرة للفاعلين الكبار توضح أن القاهرة لن تكون بندًا في جدول أعمال أحد، ولن تُستدرج إلى صراعات صفرية لا عائد منها، وأن أقصى ما يمكن انتزاعه منها هو التفاهم لا التبعية.

أما في الفصل المتعلق بالمحيط العربي، تبدو الشفرة أوضح: مصر عادت لتلعب دور «الضامن» لا «القائد الأيديولوجي». النص يتحدث كثيرًا عن الدولة الوطنية، وعن رفض الفراغ، وعن دعم المؤسسات، وكأن الكتاب يضع خطًا أحمر حول تجربة العقد الماضي في المنطقة. 
الرسالة هنا موجهة لدول عربية منهكة ولعواصم إقليمية متدخلة في آن واحد: القاهرة لن تراهن على ميليشيا، ولن تبارك إسقاط دولة بحجة الإصلاح، ولن تصفق للفوضى حتى لو ارتدت ثوب الديمقراطية.

الأهم بالنسبة لي هو القضية الفلسطينية في الكتاب أنها ليست مجرد فصل بروتوكولي، بل منصة رسائل متداخلة. الإصرار المتكرر على حل الدولتين، ورفض اختزال القضية في البعد الإنساني، والتشديد على عدم التهجير، كلها شفرات موجهة لقوى تحاول إعادة تعريف الصراع بمنطق الإغاثة لا السياسة. 
هنا تقول مصر إنها تفهم اللعبة جيدًا، وتدرك أن تحويل فلسطين إلى ملف مساعدات هو الخطوة الأولى لتصفيتها سياسيًا. لذلك يأتي التمسك بالجذور التاريخية والقانونية للصراع كرسالة عنيدة في وجه محاولات التبسيط القسري.

وفي إدارة ملف غزة، يلمح الكتاب إلى نوع خاص من القوة الهادئة. الأرقام الواردة عن المساعدات، والوساطات، والمؤتمرات، ليست استعراضًا، بل تأكيد على أن التأثير الحقيقي لا يكون دائمًا عبر البيانات النارية، بل عبر القدرة على الإمساك بخيوط متعددة في وقت واحد. الرسالة المشفرة هنا للفاعلين الدوليين أن مصر ليست مجرد معبر جغرافي، بل عقدة سياسية لا يمكن تجاوزها مهما تبدلت خرائط التحالف.

أما في ملف ليبيا والسودان، فتخرج شيفرة «الحدود» إلى السطح. الكتاب يعيد التذكير بخطوط حمراء قيلت في لحظات حاسمة، ويعرض مسارًا طويلًا من الاجتماعات والوساطات والدعوات للحل السياسي. خلف هذا السرد المطول رسالة واضحة: الأمن القومي لم يعد مفهومًا تجريديًا، بل معادلة يومية بين الجغرافيا واللاجئين والسلاح المنفلت. 
مصر هنا لا تقدم نفسها كوصي، بل كطرف يدافع عن استقرار محيطه لأنه يعرف أن انهياره سينعكس عليه مباشرة.

وعن العلاقة مع الخليج تقرأ في الكتاب بوصفها شراكة ضرورة لا مجاملة. التركيز على أمن الخليج كخط أحمر، وعلى الاستثمار المتبادل، وعلى المجالس التنسيقية، يحمل رسالة مزدوجة: لمصر حلفاء موثوقون، لكنها في الوقت نفسه لا تبيع قرارها مقابل الدعم. حتى الأرقام الاقتصادية، وعلى ضخامتها، تأتي في سياق عقلاني لا احتفالي، وكأن النص يقول إن المال مهم، لكنه ليس بوصلتنا الوحيدة.

في الفصول الخاصة بالقوى الكبرى، تظهر شيفرة «تنويع الخيارات» بأوضح صورها. الحديث عن الشراكة مع الولايات المتحدة لا يلغي الانفتاح على روسيا والصين وآسيا، والعكس صحيح. 
هنا تكتب مصر سياستها الخارجية بلغة لاعب يعرف أن العالم لم يعد يدار من عاصمة واحدة، وأن أفضل موقع هو ذاك الذي يسمح لك بالحديث مع الجميع دون أن تصبح تابعًا لأحد.

اللافت أن الكتاب، رغم لغته الهادئة، يحمل نقدًا مبطنًا للنظام الدولي القائم. الإشارة المتكررة إلى عجز المؤسسات الدولية، وإلى الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، ليست مجرد توصيف، بل اتهام دبلوماسي محسوب. الرسالة المشفرة أن مصر لا تزال تؤمن بالتعددية، لكنها لم تعد ساذجة إلى حد الاعتقاد بأن العدالة الدولية تعمل تلقائيًا.

خاتمة الكتاب تبرز رسالة داخلية لا تقل أهمية عن الرسائل الخارجية. الاتزان الاستراتيجي ليس سياسة نخبوية تدار في الغرف المغلقة، بل عقيدة دولة تريد أن تطمئن مجتمعها بأن المغامرات الكبرى ليست على جدول الأعمال، وأن الحفاظ على الدولة هو القيمة العليا. 
هنا يعاد تعريف الوطنية لا بوصفها صخبًا، بل صبرًا، ولا باعتبارها اندفاعًا، بل قدرة على الانتظار.