في كواليس السياسة الدولية، لا تقتصر اللقاءات بين قادة الدول على البيانات الرسمية والملفات المعقدة، بل كثيرًا ما تكشف اللحظات العفوية عن رسائل أعمق تتجاوز الكلمات المكتوبة.
وعلى هامش منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، لفت لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بنظيره الأمريكي دونالد ترامب الأنظار، بعدما جمع بين النقاش الجاد حول واحدة من أكثر القضايا حساسية لمصر، وهي أزمة سد النهضة الإثيوبي، ولمسة إنسانية خفيفة أضفت على المشهد بعدًا مختلفًا، عكس طبيعة العلاقة بين الزعيمين وأسلوب إدارة الحوار بينهما.
خلفية اللقاء وأهميته
جاء لقاء الرئيس السيسي وترامب على هامش منتدى دافوس، الذي يُعد أحد أبرز المحافل الدولية السنوية، حيث يجمع قادة الدول وصناع القرار وكبار المسؤولين التنفيذيين وممثلي المؤسسات المالية العالمية لمناقشة القضايا الاقتصادية والسياسية الأكثر تأثيرًا على مستقبل العالم. ولا تقتصر أهمية دافوس على كونه منصة اقتصادية، بل أصبح ساحة دبلوماسية غير رسمية تُعقد على هامشها لقاءات ثنائية وثلاثية تفتح مسارات للحوار السياسي وحل الأزمات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، اكتسب اللقاء بين الرئيسين أهمية خاصة، كونه يأتي في مرحلة دقيقة تشهد تعقيدات متزايدة في ملف سد النهضة، إلى جانب سعي مصر لتعزيز حضورها الدولي وشرح موقفها العادل بشأن حقوقها التاريخية في مياه نهر النيل، مستفيدة من ثقل المنتدى وحجم المشاركة الدولية فيه.
سد النهضة في صدارة النقاش
خلال اللقاء، تطرق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أزمة سد النهضة الإثيوبي، مؤكدًا عزمه العمل من أجل التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف المعنية. وأوضح ترامب أنه يسعى إلى جمع القيادتين المصرية والإثيوبية على طاولة واحدة، بهدف الوصول إلى تفاهم يضمن استمرار تدفق مياه نهر النيل وعدم الإضرار بمصالح شعوب المنطقة، في إشارة إلى إدراك واشنطن لحساسية الملف وتأثيره المباشر على الأمن المائي المصري.
ويعكس هذا الموقف أهمية الدور الأمريكي المحتمل في دفع مسار التفاوض، خاصة في ظل تعثر الجولات السابقة، وتمسك مصر بموقفها القائم على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل السد، بما يحفظ حقوقها المائية ويمنع أي إجراءات أحادية.
لحظة عفوية ورسالة سياسية
وسط أجواء النقاش الجاد، خطفت لحظة عفوية الأنظار عندما رد الرئيس عبدالفتاح السيسي بالإنجليزية قائلًا: “I appreciate that”، بعد أن ألقى كلمته الأساسية بالعربية وتولى المترجم نقلها. هنا تدخل ترامب بابتسامة موجّهًا حديثه إلى المترجم قائلاً: “أعتقد أنه يفهمني… أظنه يفهم الإنجليزية أكثر منا”.
ورغم بساطة العبارة، فإنها حملت دلالات متعددة، إذ عكست أجواء ودية بين الرئيسين، ورسخت صورة تواصل مباشر دون حواجز، كما أضفت على اللقاء طابعًا إنسانيًا خفف من ثقل الملفات السياسية المطروحة، وأظهر جانبًا من أسلوب ترامب القائم على المزاح المدروس في المحافل الدولية.
دافوس كمنصة للتأثير الدولي
يأتي هذا اللقاء ليؤكد مجددًا أهمية منتدى دافوس كمنصة لا تقتصر على مناقشة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل تمتد لتشمل قضايا الأمن الإقليمي والنزاعات الدولية. فبالنسبة لمصر، يمثل دافوس فرصة لعرض رؤيتها بشأن القضايا الإقليمية، وتعزيز التواصل مع القوى الكبرى، وبناء دعم دولي لمواقفها، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن القومي والتنمية المستدامة.
في المحصلة، لم يكن لقاء الرئيس السيسي وترامب مجرد اجتماع عابر على هامش منتدى دولي، بل محطة سياسية ذات دلالات واضحة، جمعت بين الجدية في طرح القضايا المصيرية، والمرونة في إدارة الحوار. وبينما تصدّر ملف سد النهضة جدول النقاش، جاءت اللحظة العفوية لتؤكد أن الدبلوماسية لا تُبنى فقط على الكلمات الرسمية، بل أيضًا على الإشارات الإنسانية التي قد تحمل في طياتها رسائل ثقة وتفاهم، في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا.