يعاني ملايين المستخدمين من مشكلة متكررة أصبحت تؤرق البيوت والمكاتب على حد سواء، وهي نفاد باقة الإنترنت في وقت قياسي، دون استخدام مكثف أو تحميل ملفات ضخمة. يتساءل البعض.. كيف تنتهي الباقة خلال أقل من عشرة أيام، رغم أن الاستعمال لا يتجاوز التصفح العادي ومواقع التواصل الاجتماعي؟
هذا السؤال فتح الباب أمام تحقيقات تقنية وتحذيرات أطلقها خبراء في مجال الأمن السيبراني، من بينهم المهندس عمر محمد، الذي كشف في تصريحات خاصة لـ«صدى البلد» عن أسباب خفية وخطيرة تقف وراء هذا الاستهلاك غير الطبيعي، مؤكدًا أن الأمر قد يتجاوز مجرد استخدام زائد، ليصل إلى اختراق الأجهزة واستغلالها في أنشطة غير مشروعة.
الخطوة الأولى.. راقب الراوتر قبل اتهام الأجهزة
يؤكد المهندس عمر محمد أن البداية الصحيحة لمعرفة سبب استهلاك الإنترنت تبدأ من الراوتر نفسه، باعتباره بوابة الاتصال الأولى بالشبكة.
وأوضح أن المستخدم يمكنه بسهولة الدخول إلى إعدادات الراوتر، والاطلاع على قائمة الأجهزة المتصلة حاليًا، مشيرًا إلى أن وجود أجهزة غير معروفة يمثل إنذارًا خطيرًا.
وأضاف: "في حالات كتير بنكتشف إن في أجهزة متصلة على الواي فاي غير اللي موجودة في البيت، وده معناه إن حد واخد كلمة السر وبيستخدم الإنترنت بشكل مكثف، خاصة في التحميل."
ويشير الخبير إلى أن هذا الاستخدام يكون مجانيًا بالنسبة للمتطفلين، ما يجعلهم يستهلكون الباقة دون أي حساب، وهو سبب شائع لنفاد الإنترنت بسرعة.

البرامج الصامتة.. الخطر الذي لا تراه
بعد التأكد من عدد الأجهزة المتصلة، تأتي المرحلة الأخطر، وهي فحص البرامج الموجودة على الهاتف أو الكمبيوتر.
ويشرح المهندس عمر أن بعض البرامج، رغم كونها غير مستخدمة، قد تستهلك كميات ضخمة من الإنترنت في الخلفية.
وضرب مثالًا ببرامج تحرير الصور، التي تعمل غالبًا في وضع “أوفلاين”، قائلاً: "لو برنامج صور بيستهلك 500 أو 700 ميجا يوميًا، وهو أصلًا مش محتاج نت، يبقى كده في حاجة غلط."
هذا النوع من الاستهلاك غير الطبيعي غالبًا ما يكون مؤشرًا على وجود ملفات خبيثة مخفية داخل البرنامج، تعمل دون علم المستخدم.
أجهزة المصريين والعرب.. وقود لشبكات خارجية
يحذر الخبير من ظاهرة أخطر، وهي استغلال أجهزة المستخدمين في دول العالم العربي كـبوتات رقمية.
وأوضح أن بعض القراصنة، خاصة من خارج مصر، يقومون بزرع ملفات خبيثة داخل الأجهزة، ثم يستخدمونها في عمليات مثل تعدين العملات الرقمية أو تنفيذ هجمات إلكترونية.
وأضاف: "الجهاز بتاعك ممكن يبقى جزء من شبكة كبيرة جدًا، وانت ولا حاسس، والنت يخلص في أقل من 10 أيام."
وأشار إلى أن ما يقرب من 70% من المستخدمين الذين قاموا بمراجعة البرامج المثبتة على أجهزتهم، اكتشفوا وجود تطبيقات لم يتم فتحها منذ شهور، لكنها تستهلك أكثر من 80% من حجم الباقة.
التحميل من مصادر غير موثوقة.. بداية كل كارثة
شدد المهندس عمر محمد على أن تحميل البرامج من مصادر غير رسمية يمثل السبب الأول لمعظم المشكلات التقنية.
وأوضح أن البرامج “المكركة” أو المدفوعة المتاحة مجانًا على الإنترنت، هي المدخل الرئيسي للاختراقات.
وقال: "أي برنامج بفلوس وموجود ببلاش على الإنترنت، ده بنسبة 90% بيكون سبب المشكلة من أولها."
وأشار إلى أن هذه البرامج غالبًا ما تحتوي على أكواد خبيثة، تؤدي إلى بطء الجهاز، زيادة استهلاك الإنترنت، أو تسريب البيانات.
من استهلاك الإنترنت إلى الابتزاز الإلكتروني
لم يتوقف التحذير عند استنزاف الباقة فقط، بل امتد إلى مخاطر أكبر، مثل سرقة البيانات الشخصية والابتزاز.
وأوضح الخبير أن وجود صور شخصية أو ملفات عمل حساسة على الهاتف يجعل المستخدم هدفًا سهلًا.
وأضاف: "في حالات بنكتشف إن سبب الابتزاز كان برنامج مكرك نازل على الموبايل، ومن خلاله تم سحب الداتا كاملة."
كما أشار إلى أن بعض الأجهزة المخترقة لا تُستخدم فقط في سرقة البيانات، بل يتم استغلالها ضمن ما يُعرف بـ"الجيش الإلكتروني"، الذي يضم آلاف الأجهزة حول العالم.
“الباك دور”.. الباب الخلفي الذي لا يغلق
كشف المهندس عمر محمد عن أحد أخطر أنواع الاختراق، وهو ما يُعرف بـBackdoor أو “الباب الخلفي”.
وأوضح أن بعض التطبيقات المعدلة، مثل نسخ واتساب غير الرسمية، تقوم بتثبيت ملف إضافي مخفي داخل الجهاز.
وقال: "الملف ده بيشتغل حسب برمجة الهاكر، ممكن يسحب بيانات، أو يستخدم المعالج في التعدين."
وأشار إلى أن استهلاك المعالج بنسبة 70% أثناء استخدام تطبيق بسيط مثل فيسبوك، يعد مؤشرًا خطيرًا على وجود نشاط خفي داخل الجهاز.
كيف تحمي نفسك؟ خطوات بسيطة تصنع الفارق
في ختام تصريحاته، قدم المهندس عمر محمد مجموعة من النصائح العملية، أبرزها: مراجعة الأجهزة المتصلة بالراوتر بانتظام، تغيير كلمة سر الواي فاي دوريًا، حذف أي برامج غير مستخدمة، تحميل التطبيقات فقط من المتاجر الرسمية، مراقبة استهلاك الإنترنت لكل برنامج، وأكد أن هذه الخطوات كفيلة بكشف المشكلة في معظم الحالات.
لم يعد استهلاك الإنترنت مجرد أرقام تظهر على شاشة التطبيق، بل أصبح مؤشرًا على أمانك الرقمي وسلامة أجهزتك. وبين برامج خبيثة، وملفات مخفية، وشبكات تستغل المستخدمين دون علمهم، يتحول الهاتف أو الكمبيوتر إلى أداة تُستخدم ضد صاحبه.
تحذيرات الخبراء تؤكد أن الوعي الرقمي لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية، تبدأ بخطوة بسيطة.. اعرف ماذا يعمل على جهازك، ومن يشاركك الإنترنت.