في كثير من التجمعات التي نراها حولنا يبدو المشهد جميلا من الخارج، وجوه مبتسمة وضحكات عالية وكلمات مجاملة تتطاير في الهواء كأن الجميع يعيش حالة من الود الصادق، لكن الحقيقة في احيان كثيرة تكون مختلفة تماما. فخلف تلك الابتسامات تختبئ نوايا اخرى وحسابات دقيقة وعيون لا تنظر الى الشخص الذي أمامها بقدر ما تنظر الى ما في يده. كل واحد يراقب الاخر ويتمنى ان يكون مكانه او يحصل على ما لديه.
هذا المشهد يتكرر كثيرا خاصة عندما تقترب المواسم التي تكثر فيها المصالح والتنافس. مع اقتراب اي انتخابات او اختيار مناصب او حتى توزيع مكاسب معينة تجد فجأة ان الجميع اصبحوا اصدقاء. كلمات الثناء تتبادل بسهولة والضحكات ترتفع في كل مكان وكأن القلوب صافية تماما. لكن اذا اقتربت قليلا ونظرت بعمق ستكتشف ان كل واحد يحمل في داخله قصة اخرى.
العيون تقول شيئا غير ما تقوله الالسنة. الابتسامة قد تكون مجرد ستار يخفي خلفه رغبة قوية في الوصول الى ما عند الاخر. قد تجد شخصا يربت على كتف صديقه ويؤكد له انه يدعمه ويقف بجانبه لكنه في نفس اللحظة يفكر كيف يسبقه او كيف يأخذ مكانه. هي لعبة المصالح التي تجعل البعض يرتدي قناع اللطف بينما يخفي خلف ظهره سكينة جاهزة للظهور في اللحظة المناسبة.
الغريب ان الجميع يعرف هذه اللعبة جيدا ومع ذلك تستمر. كل طرف يدرك ان الطرف الاخر قد لا يكون صادقا تماما لكنه يساير المشهد. الضحك مستمر والكلام الجميل مستمر والكل يتصرف وكأن كل شيء على ما يرام. ربما لان كل شخص يعتقد انه الاذكى او انه الاقدر على كسب الجولة في النهاية.
هذه الحالة تجعلنا نتساءل احيانا عن معنى العلاقات في مثل هذه الاجواء. هل هي صداقة حقيقية ام مجرد هدنة مؤقتة حتى تنتهي لحظة التنافس. وهل يمكن للثقة ان تعيش في مكان تحكمه العيون التي تقول عيني فيه.
الحقيقة ان المشكلة ليست في التنافس نفسه. فالتنافس امر طبيعي وقد يكون دافعا للتقدم والنجاح. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنافس الى رغبة في سحب ما في يد الاخر بأي طريقة حتى لو كان الثمن هو كسر العلاقات او فقدان الاحترام. عندها تصبح الابتسامات مجرد واجهة جميلة تخفي خلفها صراعا صامتا.
في النهاية تبقى الايام كفيلة بكشف كل شيء. فالاقنعة قد تنجح لفترة لكن لا يمكنها ان تبقى الى الابد. ومع مرور الوقت يظهر من كان صادقا فعلا ومن كان يضحك فقط لان عينه على ما في يد غيره. وربما يكون الدرس الاهم ان الانسان لا يقاس بكلامه ولا بابتسامته في التجمعات بل يقاس بمواقفه عندما تتعارض المصالح وعندما يصبح الطريق الى المكسب يمر من فوق اكتاف الاخرين.
عندها فقط نعرف من كان يبتسم بصدق ومن كان طوال الوقت ينظر الى الاخرين وهو يقول في داخله بصوت خافت لكنه واضح عيني فيه.
بلال قنديل يكتب: الضحكة المسمومة