أظهرت المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في الصين أداء أفضل من التوقعات مع بداية عام 2026، مدفوعة بتسارع نمو الإنتاج الصناعي وتحسن الاستثمار، ما يشير إلى انطلاقة أقوى لثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد عام من التباطؤ النسبي.
ووفق بيانات صادرة عن المكتب الوطني للإحصاء اليوم فإن الإنتاج الصناعي في الصين ارتفع بنسبة 6.3% خلال شهري يناير وفبراير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مسجلا أسرع وتيرة نمو منذ سبتمبر.
ويرجح أن يكون هذا الأداء مدفوعا بزيادة مفاجئة في الصادرات في بداية العام؛ وفق ما ذكرته وكالة (بلومبرج) الأمريكية.
وسجلت قطاعات أخرى من الاقتصاد تعتمد بدرجة أكبر على الطلب المحلي بداية أقوى من المتوقع. فقد ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 2.8% خلال الشهرين الأولين من العام، وهو ما يزيد على ثلاثة أضعاف الزيادة المسجلة في ديسمبر، في حين نما الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 1.8% على غير المتوقع بعد أن كان قد انكمش للمرة الأولى على الإطلاق في عام 2025.
وقال هاو تشو، كبير الاقتصاديين لدى “جوتاي جونان إنترناشونال” في هونج كونج إن المخاطر التي تهدد التوقعات الاقتصادية ارتفعت في ظل التوترات الجيوسياسية والاضطرابات في التجارة وأسواق الطاقة العالمية، لكن البيانات الأخيرة تشير إلى أن الاقتصاد الصيني بدأ العام بزخم أقوى مما كان يعتقد سابقا.
وأضاف أن هذا الأداء قد يساعد في تخفيف أثر الصدمات الخارجية على الاقتصاد في المدى القريب.
وتقدم الأرقام صورة مشجعة عن ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد أن أنهى عام 2025 بأبطأ معدل نمو منذ إعادة فتح الاقتصاد عقب الإغلاقات المرتبطة بجائحة كورونا في أواخر 2022.
ومع تباطؤ الاستهلاك المحلي والاستثمار، تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.5% في الربع الرابع مقارنة بالعام السابق.
لكن خلال الأسبوعين الماضيين، أدت اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط إلى اضطراب أسواق الطاقة وحدوث صدمة جديدة في التجارة العالمية ورغم أن الصين أقل عرضة لصدمات أسعار النفط مقارنة ببعض الاقتصادات الآسيوية الكبرى، فإن قطاع الصادرات الصيني يظل معرضا لتداعيات تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم.
ويرى محللون أن التحسن الملحوظ في أداء الاقتصاد قد يؤخر إطلاق حزم تحفيز جديدة بينما يقيم صناع القرار في بكين التطورات السريعة في الشرق الأوسط.
وكان اقتصاديون استطلعت آراؤهم وكالة بلومبرج في أواخر فبراير الماضي يتوقعون خفض سعر الفائدة الأساسي ونسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك قبل نهاية مارس، إلا أن احتمالات تأجيل هذه الخطوة بدأت ترتفع.
وقبل صدور التقرير الأخير، كان الاستثمار في الصين يتراجع على أساس شهري منذ منتصف عام 2025.
ويعزو الاقتصاديون هذا التراجع إلى ضعف ثقة الشركات إضافة إلى احتمال قيام السلطات بتعديل البيانات لتصحيح المبالغة السابقة في تقدير الاستثمارات، إلى جانب تباطؤ الإنفاق الحكومي على البنية التحتية مع تركيز السلطات على سداد الديون.
لكن يبدو أن تحولا أوليا بدأ يظهر، فقد قفز الاستثمار في البنية التحتية بنسبة 11.4% خلال الشهرين الأولين من العام مقارنة بالعام الماضي، وهو أسرع نمو لهذه الفترة منذ عام 2021.
وقد يكون ذلك نتيجة إطلاق السلطات لمشروعات بناء كانت مؤجلة من أواخر عام 2025 عندما كان تحقيق هدف النمو السنوي يبدو بالفعل في متناول اليد.
وتضمنت تفاصيل أخرى في البيانات الاقتصادية الصينية ما يلي؛ تراجع الاستثمار في قطاع العقارات بنسبة 11.1% خلال أول شهرين من العام، وهو انخفاض أقل حدة من التوقعات التي رجحت تراجعا بنسبة 19.3%.
وارتفع معدل البطالة في المدن إلى 5.3%، وهو مستوى أسوأ من جميع التوقعات في استطلاع أجرته بلومبرج؛ فيما تحول الاستثمار في قطاع التصنيع إلى النمو بنسبة 3.1% بعد فترة من التراجع.
وتقوم الصين عادة بنشر بيانات يناير وفبراير مجتمعة لتجنب التشوهات الإحصائية الناتجة عن اختلاف توقيت عطلة رأس السنة القمرية كل عام.
وأظهر تفصيل بيانات مبيعات التجزئة أن الطلب على السجائر ومعدات الاتصالات والمجوهرات كان المحرك الرئيسي للزيادة، بينما واصلت مبيعات السيارات التراجع الحاد.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان تعافي إنفاق المستهلكين مستداما فقد أعلنت الحكومة في وقت سابق أنها ستخفض دعم شراء السلع الاستهلاكية إلى 250 مليار يوان (نحو 36 مليار دولار) هذا العام، مقارنة بـ300 مليار يوان في عام 2025، مع الإبقاء على الزيادة المحدودة في معاشات التقاعد الأساسية.
وخفضت بكين هدف النمو الاقتصادي السنوي إلى نطاق يتراوح بين 4.5% و5%، وهو أقل هدف طموح منذ عام 1991، وإن كان من قاعدة اقتصادية أكبر بكثير.
ورغم قوة الصادرات خلال أول شهرين من عام 2026، فإن آفاق الاقتصاد الصيني باتت تعتمد جزئيا على مدة وشدة الحرب التي اندلعت بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
حتى الآن، تتبنى السلطات الصينية نهجا حذرا، مفضلة مراقبة تطورات الأزمة بدلا من الإسراع في إطلاق سياسات جديدة. وكانت الحكومة قد كشفت في وقت سابق من هذا الشهر عن خطة تحفيز مالي مخففة قليلا للعام الجاري.
ويعرف عن القيادة الصينية قدرتها على تحقيق الأهداف الاقتصادية التي تضعها لنفسها، لكن كيفية تحقيق هدف النمو الأكثر تواضعا هذا العام ستكون عاملا حاسما، خاصة مع تزايد اعتماد الاقتصاد على الصادرات لدفع النمو، وهو ما يثير توترات مع الشركاء التجاريين ولا ينعكس بشكل كاف على دخول الأسر.
وأضاف المكتب الوطني للإحصاء في بيان مرفق بإصدار البيانات إن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية خلال شهري يناير وفبراير أظهرت انتعاشا ملحوظا، ما يعني أن الاقتصاد بدأ العام بداية جيدة.
وحذر في الوقت نفسه من أن تغيرات البيئة الخارجية وتزايد المخاطر الجيوسياسية بدأت تترك أثرا أعمق على الاقتصاد.