“الجحيم للجميع”… لم تعد هذه العبارة مجرد تهديد عابر، بل تعبير مكثف عن مسار تصعيدي يتشكل منذ 2025، حين تحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من ردع غير مباشر إلى ضربات عسكرية متتابعة، ضمن عمليات مثل حرب الـ12 يوم، ثم مواجهات لاحقة مثل “عملية الغضب الملحمي” و“عملية الأسد الهادر”.
في هذا السياق، لم يعد السؤال هو إمكانية الضربة، بل طبيعتها ونتائجها، وما إذا كانت قادرة على إنهاء الصراع أم أنها ستعيد تشكيله بشكل أكثر تعقيدًا.
⸻
الضربة الأمريكية
لفهم طبيعة هذا السيناريو، يجب أولًا النظر إلى شكل الضربة المحتملة وكيف يمكن أن تُنفذ عمليًا.
أي تحرك أمريكي واسع لن يكون ضربة واحدة، بل حملة ممتدة على أيام وربما أسابيع، تُنفذ عبر موجات مترابطة تعتمد على مزيج من صواريخ كروز بعيدة المدى مثل توماهوك، وقاذفات استراتيجية مثل بي-2 وبي-52، إلى جانب عمليات تشويش وحرب إلكترونية.
النمط العملياتي يبدأ عادة بشلّ الدفاعات الجوية، ثم استهداف مراكز القيادة والسيطرة، قبل الانتقال إلى منصات إطلاق الصواريخ والبنية الصناعية المرتبطة بها. الهدف لا يقتصر على التدمير، بل يمتد إلى إحداث شلل وظيفي يقلّص قدرة إيران على الرد.
في المواجهة الحالية، تم استهداف أكثر من 5000 هدف في الأيام الأولى، مع إجمالي يتجاوز 10000 هدف مشترك، بما في ذلك تدمير أكثر من 50–60 سفينة حربية إيرانية، ما يعكس قدرة على تنفيذ ضربات كثيفة ومركزة في وقت قصير.
⸻
القدرات الإيرانية
لكن قدرة أي ضربة على تحقيق أهدافها تبقى مرتبطة بطبيعة الرد والإمكانات المتاحة للطرف الآخر.
قبل تصعيد 2025، كانت الترسانة الصاروخية الإيرانية تُقدّر بنحو 3000 صاروخ باليستي. بعد الضربات الكبرى، تراجع المخزون إلى ما بين 1500 و2500 صاروخ، قبل أن تتمكن إيران جزئيًا من إعادة بنائه، ثم تعود موجات الاستنزاف في 2026 لتضغط عليه مجددًا.
تراجع المخزون الفعّال إلى نحو 1000–1500 صاروخ حاليًا، بعد استنزاف ما يقارب 2500 صاروخ خلال المواجهة الحالية، مع تدمير ما يقارب 75% من منصات الإطلاق، وانخفاض معدلات الإطلاق اليومية بنسبة تصل إلى 90%، من مئات الصواريخ إلى عشرات أو أقل.
كما تكبدت الصواريخ متوسطة المدى خسائر كبيرة، وكذلك الصواريخ قصيرة المدى بدرجات متفاوتة.
هذا التآكل لم يكن رقميًا فقط، بل دفع إيران إلى تغيير نمط الحرب، عبر الاعتماد بشكل أكبر على الطائرات المسيّرة والحلفاء الإقليميين مثل حزب الله، الذي تراجعت ترسانته إلى 11000–13000 صاروخ فقط بخسارة تقارب 85–90%، مع تقليل المواجهة المباشرة لصالح استنزاف طويل الأمد.
⸻
إسرائيل
ولا يمكن عزل أي مواجهة أمريكية–إيرانية عن الساحة الإسرائيلية التي تظل ضمن نطاق التأثر المباشر.
في هذا السيناريو، لن تبقى إسرائيل خارج دائرة الرد، بل ستكون إحدى ساحاته الرئيسية.
مع تراجع الكثافة الصاروخية، يتجه الرد نحو ضربات أكثر دقة تستهدف القواعد والبنية الحيوية.
المنظومات الدفاعية مثل القبة الحديدية والسهم قد تنجح في تقليل الخسائر، لكنها تواجه ضغطًا متزايدًا مع تعدد الهجمات وتزامنها، خاصة إذا جاءت من أكثر من جبهة.
ومع امتداد أمد التصعيد، يتحول الاستنزاف إلى عامل حاسم يضغط على الدفاعات كما يضغط على الاقتصاد.
يتأثر الداخل الإسرائيلي تدريجيًا، مع تعطّل جزئي في النشاط الاقتصادي، وتكرار الإنذارات، وعودة نمط “اقتصاد الملاجئ”، حيث تصبح الأولوية للاستمرارية وليس النمو.
ما يعني أن الداخل الإسرائيلي قد يواجه نمط استنزاف لم يختبره بهذا الشكل من قبل.
⸻
الخليج
لا تقتصر تداعيات أي تصعيد عسكري على الجبهات المباشرة، بل تمتد إلى نقاط خارج نطاق الاشتباك التقليدي.
لدى دول الخليج نقطة ضعف استراتيجية بسبب اعتمادها الكبير على تحلية المياه.
المنطقة تضم أكثر من 400 محطة، وتشكل نحو 60% من القدرة العالمية للتحلية.
في دول مثل الكويت والبحرين، تصل نسبة الاعتماد إلى نحو 90% من مياه الشرب، بينما تتجاوز 80% في الإمارات، وتبلغ نحو 70% في السعودية، وتكاد تكون كاملة في قطر.
هذا الاعتماد يجعل البنية المائية هدفًا حساسًا للغاية، حيث يمكن لهجمات محدودة، سواء عبر طائرات مسيّرة أو صواريخ دقيقة أو حتى هجمات سيبرانية، أن تؤدي إلى اضطراب سريع في الإمدادات، ما ينقل الصراع من المجال العسكري إلى حياة السكان اليومية.
⸻
مضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، إلى جانب نحو 19–20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
تعتمد الأسواق الآسيوية بشكل كبير على هذا الممر، ومع تصاعد التوترات تنخفض حركة السفن بشكل حاد، وترتفع تكاليف التأمين، وتتعطل سلاسل الإمداد، ما ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
⸻
الإقليم
ومع اتساع نطاق التأثير، تبرز أدوار القوى الإقليمية في محاولة احتواء تداعيات التصعيد.
في ظل هذا التصعيد، تتحرك قوى إقليمية مثل مصر والسعودية وتركيا وباكستان لمحاولة احتواء الموقف.
هذه التحركات تعكس إدراكًا بأن أي توسع للصراع لن يظل محدودًا، بل سيمتد ليشمل المنطقة بأكملها سياسيًا واقتصاديًا.
الهدف هنا ليس حسم الصراع، بل منعه من الانفجار الكامل.
⸻
روسيا والصين
وعلى المستوى الدولي، لا تظل موازين القوى الكبرى بعيدة عن هذا المشهد، حتى دون تدخل مباشر.
في الخلفية، تلعب روسيا والصين دورًا في ضبط إيقاع التصعيد دون الانخراط المباشر فيه.
موسكو تميل إلى دعم سياسي لإيران مع تجنب مواجهة مفتوحة، بينما تركز بكين على استقرار إمدادات الطاقة، وتدفع نحو التهدئة لتجنب اضطراب الأسواق.
هذا التوازن الدولي يفرض سقفًا للصراع، يمنع تحوله إلى حرب شاملة، لكنه لا يوقفه.
⸻
المفارقة
رغم هذا التشابك في المستويات المختلفة، تظل هناك نتيجة واحدة تتكرر عبر تجارب سابقة.
تجارب السنوات الأخيرة تكشف مفارقة أساسية في هذا النوع من الصراعات.
الضربات المكثفة قادرة على تدمير آلاف الأهداف وتقليص القدرات العسكرية بسرعة، لكنها لا تنهي الصراع، وقد تتحول المواجهة من حرب تقليدية إلى استنزاف متعدد المستويات.
ولذلك قد تنجح الضربة عسكريًا… لكنها تفشل في إنهاء الحرب.
⸻
المآلات النهائية
بناءً على ما سبق، يمكن قراءة السيناريوهات المحتملة لما بعد أي ضربة شاملة.
الضربة الأمريكية الشاملة قد تحقق تفوقًا عسكريًا سريعًا، لكنها لا تنهي الصراع.
في المقابل، يمتلك الطرف الإيراني أدوات قادرة على نقل المواجهة إلى مجالات أكثر تعقيدًا، تشمل الطاقة والمياه والبنية التحتية.
الضربات تُضعف القدرات بسرعة، لكنها في الوقت نفسه تدفع الصراع نحو نمط استنزاف ممتد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك بدل إنهائه.
المؤشرات الحالية ترجّح أن الحسم السريع غير مرجّح، وأن ما سيحدث أقرب إلى إعادة توزيع موازين القوة داخل صراع طويل النفس، لا نهايته.
الجحيم الذي تم التلويح به… قد لا يسقط على طرف واحد، بل على منطقة كاملة لا تملك رفاهية النجاة.