قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتب : أمانة المسؤول .. عندما يسقط المنصب ويبقى الحساب

سيد الضبع
سيد الضبع

في كل دولة تسعى إلى التقدم والاستقرار، تبقى الوظيفة العامة أمانة قبل أن تكون سلطة، ومسؤولية قبل أن تكون وجاهة أو نفوذًا. فالمسؤول، مهما كان موقعه، لا يجلس على مقعده ليمنح الحقوق أو يمنعها وفق أهوائه، وإنما ليؤدي واجبًا كلفه به القانون، وائتمنه عليه المجتمع.

وخلال الأيام الماضية، أثارت واقعة مسؤول بإحدى الجهات التعليمية بمحافظة القليوبية حالة واسعة من الجدل والرأي العام، بعدما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا نُسب إليه يتضمن مساومة غير أخلاقية لإحدى السيدات مقابل التدخل في أمر يتعلق بابنتها. وعلى إثر ذلك تحركت الجهات المختصة، وتم اتخاذ إجراءات عاجلة شملت إيقافه عن العمل وإحالته للتحقيق، كما باشرت الجهات المعنية إجراءاتها القانونية في الواقعة.

بعيدًا عن تفاصيل التحقيقات التي تبقى كلمة الفصل فيها للجهات المختصة، فإن هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما ينسى المسؤول أن منصبه أمانة؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة ليس نقص الإمكانات أو ضغط العمل، وإنما أن يسيء بعض من يتولون المسؤولية استخدام السلطة الممنوحة لهم. فحين يشعر المواطن أن حقه أصبح مرتبطًا برغبة شخص أو مزاج مسؤول أو مصلحة خاصة، فإن الثقة في المؤسسة كلها تتضرر، حتى وإن كان الغالبية العظمى من العاملين بها يؤدون واجبهم بإخلاص ونزاهة.

والحقيقة أن الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة قدمت رسائل واضحة وحاسمة بأن لا أحد فوق القانون، وأن أي تجاوز وظيفي أو استغلال للمنصب يواجه بإجراءات فورية ومحاسبة قانونية، وهو ما انعكس في سرعة التعامل مع العديد من الوقائع التي تم رصدها أو الإبلاغ عنها.

لكن الرسالة الأهم لا تتعلق بالعقاب فقط، بل بالوقاية أيضًا.
فنحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة الأمانة الوظيفية منذ اليوم الأول لتولي أي مسؤول مهام منصبه. فالتوقيع أمانة، والقرار أمانة، والتعامل مع المواطنين أمانة، وكل دقيقة يقضيها المسؤول في موقعه الوظيفي سيُسأل عنها أمام القانون وأمام ضميره وأمام الله.

ومن المنظور الديني، فإن قيمة الأمانة ليست مجرد خلق حسن، بل هي أساس بناء المجتمعات. يقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا"، ويقول سبحانه: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ".
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، وهو حديث يضع كل صاحب مسؤولية أمام حقيقة واضحة، وهي أن المنصب ليس مكسبًا شخصيًا، وإنما تكليف يحمل معه حسابًا ومسؤولية.

وفي المقابل، فإن على المجتمع أيضًا مسؤولية لا تقل أهمية، وهي عدم اللجوء إلى الطرق غير المشروعة للحصول على الحقوق أو تحقيق المصالح. فالفساد لا ينشأ من طرف واحد، بل يجد طريقه عندما يغيب الوعي وتضعف القيم لدى بعض النفوس.

كما يجب أن ندرك أن مواقع التواصل الاجتماعي، رغم دورها في كشف بعض الوقائع والتجاوزات، لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات للتشهير أو إصدار الأحكام النهائية قبل انتهاء التحقيقات. فهناك فرق بين كشف الخطأ من أجل إصلاحه، وبين تحويل الوقائع إلى مادة للشماتة أو انتهاك خصوصية الأشخاص.

إن المجتمع الذي نطمح إليه ليس مجتمعًا يخلو من الأخطاء، فهذا أمر مستحيل، وإنما مجتمع يواجه الخطأ بالقانون، ويعالج التجاوز بالمحاسبة، ويعلي قيمة النزاهة والأمانة في كل موقع ومسؤولية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن المناصب زائلة، والكراسي لا تدوم لأحد، لكن ما يبقى هو السيرة والسمعة والأثر. فطوبى لمن حمل الأمانة فأداها، وخاف الله في الناس، وجعل من منصبه وسيلة لخدمتهم لا لاستغلالهم، لأن المسؤول الحقيقي هو من يرى في كل مواطن أمانة، وفي كل حق واجبًا، وفي كل منصب اختبارًا قبل أن يكون امتيازًا.