ليست المشكلة أن يحصل طالب على مجموع أقل مما كان يتوقع؛ فهذه طبيعة أي نظام تعليمي، وستظل النتائج متفاوتة بين طالب وآخر.
المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع الطالب أن يفهم لماذا حصل على هذا المجموع، ولا يجد طريقًا واضحًا ومقنعًا للتأكد من أن النتيجة تعكس بالفعل ما قدمه في الامتحان. وهذا هو المشهد الذي فرض نفسه بقوة هذا العام.
فكل يوم تطالعنا مواقع التواصل الاجتماعي بقصص لطلاب عُرفوا بالتفوق والاجتهاد، ثم وجدوا أنفسهم أمام نتائج لا تتناسب، من وجهة نظرهم وأسرهم، مع سنوات الدراسة والجهد.
وظهرت أيضًا شكاوى من طلاب تقدموا بتظلمات، ويؤكد بعضهم أن أوراق الإجابات التي اطلعوا عليها لا تخصهم، بينما يواجهون صعوبة في إثبات ذلك.
وهنا لا يصبح السؤال فقط: لماذا حصل الطالب على هذا المجموع؟، وإنما: هل يثق الطالب في أن هناك آلية واضحة وعادلة يستطيع من خلالها استعادة حقه إذا شعر بوجود خطأ؟.
فالامتحان في أصله ليس غاية، وإنما وسيلة لقياس ما تعلمه الطالب وقدرته على توظيفه واختيار الأكفأ. ولذلك: هل ما زال الامتحان يؤدي هذه الوظيفة، أم تحول في بعض الأحيان إلى نتيجة تختزل سنوات طويلة من التعليم في رقم واحد؟.
وتزداد أهمية السؤال مع نسب النجاح المعلنة في بعض كليات القطاع الطبي هذا العام؛ فقد بلغت 23.9% في الفرقة الأولى بكلية الطب بجامعة أسوان، و33% في طب قنا، و34.23% في طب وجراحة الفم والأسنان بجامعة سوهاج، و44% في طب أسيوط، مع أحقية 56% من الطلاب في دخول الدور الثاني.
وبالتأكيد، لا تثبت هذه الأرقام وحدها وجود خلل في الثانوية العامة، ولا يمكن تحميلها مسؤولية نتائج التعليم الجامعي، لكن من حق المجتمع أن يتوقف أمامها ويسأل: هل توجد فجوة بين ما تقيسه امتحانات الثانوية العامة، وبين المهارات التي يحتاجها الطالب فعلًا للنجاح في الجامعة؟.
وهنا يأتي أيضًا السؤال حول «البابل شيت»: هل من المناسب أن يعتمد امتحان يحدد مستقبل الطالب بصورة أساسية على اختيار إجابة من متعدد؟ ربما لا تكون المشكلة في البابل شيت كأداة، وإنما في الاعتماد على وسيلة واحدة لا تمنح مساحة كافية لقياس التحليل والاستنتاج والتعبير عن المعرفة.
لكن الأخطر من الدرجات هو ما تتركه النتيجة من شعور بالظلم والعجز عن استعادة الحق. فحين يشعر الطالب أن ما حصل عليه لا يعكس ما بذله، وأنه لا يملك وسيلة واضحة وسريعة وعادلة للتحقق من نتيجته، تبدأ الثقة في المنظومة التعليمية نفسها في الاهتزاز.
وتزداد الخطورة عندما تبدأ بعض الأسر في البحث عن نظم تعليم أجنبية باعتبارها أكثر استقرارًا ووضوحًا، وذلك ليس بحثًا عن تعليم أفضل فقط، وإنما بحثًا عن الإحساس بالأمان والعدالة.
لذلك، نحن لا نحتاج إلى تغيير نظام الامتحان كل فترة، ولا إلى الانشغال فقط برفع الدرجات أو خفضها، وإنما نحتاج إلى منظومة مستقرة وواضحة وعادلة، يستطيع الطالب وأسرته أن يثقوا فيها.
فالطالب لا يحتاج فقط إلى امتحان يقيس معلوماته، وإنما إلى نظام يؤمن بأن سنوات تعبه لن تضيع في نتيجة لا يستطيع فهمها، وأن أحلامه لن تتحول إلى مجرد أرقام على ورقة.
فالأزمة ليست أزمة درجات فقط... إنها أزمة ثقة.
والثقة حين تهتز في التعليم، لا تهتز معها نتيجة طالب واحد، وإنما تهتز معها أحلام جيل كامل.