افتتح السفير أحمد رشيد خطابي، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الإعلام والاتصال بالجامعة العربية، أعمال الندوة الفكرية التي تنظمها الأمانة العامة بالقاهرة، يومي 14 و15 أبريل 2026، تحت عنوان: “انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة متكاملة”، مرحبًا بالحضور مؤكدًا أهمية الموضوع المطروح في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم العربي.
وجاءت نص كلمة السفير أحمد رشيد خطابي، كالتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أصحاب السعادة
الحضور الكريم
يطيب لي أن أرحب بكم بمقر الأمانة العامة في إطار أعمال هذه الندوة التي تنعقد تحت عنوان "انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة تكاملية"، والتي تندرج في نطاق تنفيذ الخطة العلمية لإدارة البحوث والدراسات الاستراتيجية لسنة 2026 بقطاع الإعلام والاتصال.
ولي اليقين، أن الجميع يستشعر أهمية هذا الموضوع الذي يعكس إدراكًا عميقًا بأن سؤال الهوية لم يعد شأنًا ثقافيًا محضًا، ولا قضية نظرية تقتصر على النخب الفكرية والأكاديمية، بل أضحى سؤالًا جوهريًا يرتبط بمسارات التنمية البشرية والاستقرار وبناء مستقبل أفضل للأجيال الصاعدة.
متطلبات معالجة إشكالية الهوية
ذلكم أن هذا الاختيار ينطلق من الاقتناع بأن معالجة إشكالية الهوية لا يمكن أن تكون من جانب أحادي، بل تتطلب مقاربة تشاركية تشمل صناع القرار، ومراكز الفكر في الدول العربية، والباحثين والجامعات، والمؤسسات العاملة في الحقل الثقافي والإعلامي ومنظمات المجتمع المدني.
وغير خاف عليكم أن التحولات متعددة الأبعاد التي شهدتها العقود الأخيرة أعادت طرح أسئلة الانتماء والمواطنة والهوية، خاصة ضمن تأثيرات العولمة بما فيها تفاعلاتها البنيوية والاجتماعية والثقافية على مجتمعاتنا العربية، مما جعل التنوع الهوياتي محددًا مركزيًا في تشكيل وعينا الجماعي.
وهنا، يبرز التحدي الحقيقي، ليس من حيث وجود التنوع باعتباره سمة إنسانية طبيعية ومصدر ثراء حضاري وثقافي؛ بل في كيفية تدبير هذا التنوع انطلاقًا من إطار مؤسساتي يتعامل مع هذه التحولات، ومنها على الخصوص تأثيرات الفضاء الرقمي ووسائط ومنصات التواصل الاجتماعي على هوية شبابنا، أو الأخطر من ذلك، في بعض الحالات، ارتباطاتها بنزعات شوفينية قد تهدد الوحدة الوطنية والقيم المشتركة والتماسك المجتمعي.
الحضور الكريم
إن الهوية العربية، ببعدها الحضاري ومكوناتها المتنوعة، لم تكن طوال مراحل تاريخية نسقًا جامدًا أو صيغة إقصائية، بل ديناميكية تاريخية متطورة، ووعاءً حضاريًا منفتحًا للتساكن العرقي واللغوي والتلاقح الثقافي، ما يستدعي إعادة التفكير في مفهومها ودلالاتها وفق مقاربة واقعية خلاقة، بعيدًا عن السلوكيات المنغلقة والقوالب الجاهزة.
تلكم الهوية التي تستند إلى احترام الحقوق الثقافية، وتمثل هوية جامعة ومرنة ومستوعبة وداعمة للتعددية والتنوع، وقادرة على احتواء سلوكيات التغريب والدونية التي تبخس روافدنا وخصوصياتنا الثقافية، كما أنها مؤهلة للانخراط بقوة في عصر المعرفة والثورة المعلوماتية والتكنولوجية، في إطار ما يُعرف بمقاربة "الوحدة في التنوع".
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الوازن لمراكز الفكر العربية، التي تمثل ركيزة أساسية في تجسير الفجوة بين التحليل الأكاديمي وصناعة السياسات، إذ إن المقاربات القائمة على الرصد والتحليل قادرة على الارتقاء بالنقاش حول الهوية من الطابع النظري إلى سياسات عمومية تعزز ثقافة المواطنة والتلاحم الوطني.
وإننا نتطلع أن تكون هذه الندوة منطلقًا لحوار تشاركي يكرس دور مراكز الفكر العربية، ويسهم برؤى رصينة في تعميق مفهوم التنوع في السياق العربي، وتحليل العلاقة بين الدولة الوطنية وتدبير التنوع، ورصد تأثير الإعلام في إعادة تشكيل الوعي الهوياتي، واستشراف السيناريوهات الفكرية للخروج بتوصيات عملية.
واسمحوا لي ختامًا استحضار مقولة للشاعر الفلسطيني محمود درويش حول سؤال الهوية: "الهوية هي ما نورث لا ما نرث، ما نخترع لا ما نتذكر، الهوية هي فساد المرآة التي يجب أن نكسرها كلما أعجبتنا الصورة".
شكراً لحسن إصغائكم
والسلام عليكم ورحمة الله

