قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

في ذكراه.. "نجيب الريحاني" أشهر ممثل ساخر في تاريخ المسرح العربي ومؤسس مدرسة الكوميديا السوداء

في ذكراه.. "نجيب الريحاني" فنان آمن برسالة المسرح وخلّد اسمه في ذاكرة الفن العربي
في ذكراه.. "نجيب الريحاني" فنان آمن برسالة المسرح وخلّد اسمه في ذاكرة الفن العربي

تحل في الثامن من يونيو ذكرى رحيل الفنان الكبير نجيب الريحاني، أحد أبرز وجوه المسرح العربي في النصف الأول من القرن العشرين، وصاحب مدرسة فنية خاصة قامت على الكوميديا السوداء والسخرية الهادفة، حتى أصبح أشهر ممثل ساخر في تاريخ المسرح العربي.

لم يكن الريحاني مجرد فنان يسعى إلى الشهرة أو النجاح، بل كان مؤمنًا برسالة فنية سامية، يُقدّس المسرح ويعتبره جزءًا أصيلًا من حياته، وعندما نصحه طبيبه عام 1942 بالابتعاد عن المسرح لمدة ستة أشهر حفاظًا على صحته، أجاب قائلاً: "خير لي أن أقضي نحيبي فوق المسرح، من أن أموت على فراشي".

كما عُرف بحرصه على نجاح فرقته كاملة، رافضًا أن يكون النجم الأوحد، وكان يسعى دائمًا إلى أن يظهر جميع أفراد فرقته في أفضل صورة، ورغم اتهامه أحيانًا بالكسل بسبب استمرار عرض مسرحية واحدة لفترات طويلة، فإنه كان يرد قائلاً: "خير لي أن أواجه الجمهور بمسرحية واحدة كاملة، من أن أقدم له عشر مسرحيات ضعيفة، أو فيها مواضع ضعف".

ولم يكن الريحاني يبخل على فنه بشيء، إذ كان يضع جودة العمل فوق أي اعتبارات مادية، ويحرص على تقديم عرض مسرحي متكامل حتى وإن ترتب على ذلك تراكم الديون عليه، وقد حظي فنه بتقدير واسع على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، فأعجب به السير سايمور هيكس عميد المسرح الإنجليزي، واعتبره من نجوم الصف الأول عالميًا، كما نال احترام شخصيات مصرية بارزة مثل طلعت حرب وسعد زغلول وهدى شعراوي.

وعُرف الريحاني أيضًا بحسه الوطني الثائر، حيث تحولت مسرحياته إلى وسيلة لمحاربة الاستعمار والظلم والقهر، وكان يؤمن بالحظ والتفاؤل والأحلام.

وُلد نجيب إلياس ريحان، ذو الأصول العراقية، عام 1889 في حارة مصطفى بحي باب الشعرية، وكان والده تاجر خيول، وتلقى تعليمه في مدرسة "الفرير" بالخرنفش، حيث تعلم اللغة الفرنسية، واهتم بآداب اللغة العربية والشعر وتاريخ الشعراء، وهناك اكتشف أستاذه الشيخ بحر موهبته في الإلقاء، فشجعه على تمثيل بعض الروايات على مسرح المدرسة.

بعد انتهاء دراسته، عمل موظفًا في البنك الزراعي بالقاهرة، حيث تعرّف إلى عزيز عيد الذي شاركه حب التمثيل، فكانت أولى تجاربه المسرحية من خلال رواية "الملك يلهو" التي ترجمها الأديب أحمد كمال رياض (بك).

في عام 1908 أسس عزيز عيد فرقته التمثيلية الأولى، فانضم إليها الريحاني وانشغل بالفن على حساب وظيفته حتى فُصل من البنك، وتنقل بعدها بين عدد من الفرق والأعمال، فالتحق بفرقة سليم عطا الله بالإسكندرية، ثم عاد إلى العمل في شركة السكر بنجع حمادي قبل أن ينضم إلى فرقة الشيخ أحمد الشامي الجوالة ممثلًا ومعربًا للروايات الفرنسية.

رغم محاولاته المتكررة للاستقرار في العمل بعيدًا عن الفن، فإن المسرح ظل يجذبه إليه. وفي عام 1914 التحق بفرقة جورج أبيض بعد أن أقرضها 25 جنيهًا لتسديد أجور الممثلين، ثم انضم إليها لسداد الدين بالتقسيط، قبل أن يشارك لاحقًا في تأسيس "فرقة الكوميدي العربي".

كان أول عروض الفرقة على مسرح برنتانيا من خلال مسرحية "خلي بالك من إميلي" التي نقلها أمين صدقي عن الفرنسية، ورغم تردد الريحاني في أداء الدور الكوميدي في البداية، لكنه فوجئ بنجاحها الجماهيري الكبير.

وفي يوليو 1916 ظهرت للمرة الأولى شخصية "كشكش بيه" التي أصبحت أشهر شخصياته الفنية وأكثرها ارتباطًا باسمه، وذلك أثناء عمله بمسرح "أبيه دي روز" عبر صديقه استيفان روستي. ثم انتقل إلى تياترو "الرينسانس"، حيث قدم عددًا من الأعمال من بينها "ابقى قابلني" و"كشكش بيه في باريس" و"وصية كشكش".

كما أسس مع فرقته مسرحًا خاصًا باسم "الإجبسيانة"، وبعد وفاة المسرحي الشيخ سلامة حجازي عام 1917، طلب الريحاني وقف العروض حدادًا، فدخل في خلاف مع مالك المسرح "المسيو كنجس"، وتركه مؤقتًا قبل أن يعود إليه باتفاق جديد يحصل فيه "كنجس" على 30% من الإيرادات، بينما تولى الريحاني إدارة المسرح لأول مرة.

ومع تطور الفرقة نحو تقديم الروايات الاستعراضية، انضم إليها المؤلف والشاعر بديع خيري الذي أصبح رفيق دربه حتى النهاية، إلى جانب حسين شفيق المصري والملحن كاميل شامبير، ثم الشيخ سيد درويش، وقدمت الفرقة أعمالًا وطنية أثارت مضايقات وصلت إلى حد التهديد بالاغتيال.

عندما ضاق الحال بصديقه عزيز عيد، أسس الريحاني لعزيز فرقة "الكازينو" وقدّم رواية "اللحية الزرقاء" التي عربها محمود تيمور لتصبح "العشرة الطيبة"، بمشاركة بديع خيري وسيد درويش.

وامتد نجاح الريحاني إلى خارج مصر، حيث جابت فرقته بلاد الشام وأمريكا وفرنسا وتونس والجزائر والمغرب ودول أمريكا الجنوبية.

وعلى صعيد السينما، كان فيلم "ياقوت" أول ظهور له على الشاشة الكبيرة، إلا أنه لم يكن راضيًا عنه بسبب اضطراره إليه لحاجته المادية، ثم جاء فيلم "بسلامته عاوز يتجوز"، لكنه اعتبره أسوأ من سابقه بسبب عدم فهم مخرجه الأجنبي لطبيعة الكوميديا المصرية، غير أن فيلم "سلامة في خير" شكّل نقطة التحول الحقيقية في مسيرته السينمائية، وفتح له أبواب النجاح في جميع أعماله اللاحقة.

وفي الثامن من يونيو عام 1949، رحل نجيب الريحاني بعد رحلة طويلة وهب خلالها حياته للفن بإخلاص وصدق.

رحل الجسد، لكن اسمه بقي خالدًا في ذاكرة الفن المصري والعربي، باعتباره واحدًا من أبرز رواد المسرح والكوميديا الذين تركوا أثرًا لا يُمحى في تاريخ الفن.