عادت أسعار خام برنت إلى الارتفاع، مع انهيار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران وتجدد المواجهات العسكرية؛ لتجد أسواق الطاقة العالمية نفسها أمام موجة جديدة من الضغوط.
ورغم أن الأسعار لاتزال أقل من المستويات القياسية التي سجلتها خلال حروب سابقة، إلا أن خبراء الطاقة يحذرون من أن الظروف الحالية أكثر خطورة، وأن قدرة السوق على امتصاص الصدمات تراجعت بصورة كبيرة.
وذكرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أنه خلال المرحلة الأولى من الحرب، لم تصل أسعار النفط إلى المستويات الكارثية التي توقعها كثير من المحللين، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى الاعتقاد بأن النظام النفطي العالمي يتمتع بمرونة كافية تسمح باستمرار الصراع دون التسبب في أزمة طاقة واسعة داخل الولايات المتحدة، إلا أن هذا الاستنتاج، بحسب محللين، يتجاهل حقيقة أن استقرار السوق آنذاك اعتمد على مخزونات ضخمة واحتياطيات استراتيجية وقدرات إنتاج فائضة تراكمت على مدى سنوات، وهي موارد تم استنزاف جزء كبير منها خلال الأشهر الماضية.
وأضافت المجلة أن احتياطيات النفط الاستراتيجية الأمريكية تراجعت بصورة ملحوظة بعد السحب المنسق الذي شاركت فيه 32 دولة بقيادة وكالة الطاقة الدولية، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من أربعة عقود، لافتة إلى أن ما يزيد من تعقيد المشهد أن البنية التحتية التي تعتمد عليها هذه الاحتياطيات أصبحت قديمة، الأمر الذي يحد من القدرة على ضخ كميات إضافية بسرعة إذا تصاعدت الأزمة.
وأوضحت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أنه خلال الأشهر الماضية، ساعد تراجع الطلب العالمي، خاصة في آسيا، على تخفيف الضغوط، إذ انخفض الاستهلاك بنحو خمسة ملايين برميل يوميا نتيجة ارتفاع الأسعار وإجراءات التقشف، مثل تقليص الانتاج الصناعي، وتوزيع الوقود، وإلغاء آلاف الرحلات الجوية. لكن استمرار هذه السياسات يحمل كلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، ويهدد بآثار أشد قسوة إذا طال أمد الصراع.
ويرى محللون أن العامل النفسي لعب أيضا دورا مهما في تهدئة الأسواق خلال الفترة الماضية، إذ راهن المتعاملون على أن الإدارة الأمريكية لن تتحمل سياسيا ارتفاعا طويل الأمد في أسعار الوقود، وستتجه في النهاية إلى احتواء الأزمة. غير أن قرار استئناف العمليات العسكرية بعث برسالة مختلفة، مفادها أن الإدارة مستعدة لتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى موجة شراء بدافع الذعر، فتقفز الأسعار بوتيرة أسرع من السابق.
ويجب في هذا الصدد الانتباه -وفقا للمجلة- إلى أن القلق لا يقتصر على أسعار النفط الخام، بل يمتد إلى المنتجات النفطية مثل الديزل ووقود الطائرات، التي تؤثر مباشرة في أسعار الغذاء والنقل والسلع الأساسية، حيث اتسعت الفجوة بين سعر الخام وأسعار المنتجات المكررة إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، نتيجة تعطل عدد من مصافي الخليج، وتراجع انتاج المصافي الروسية بسبب الهجمات الأوكرانية، إضافة إلى محدودية القدرة على تخزين الوقود المكرر مقارنة بالنفط الخام.
وترى المجلة أن الإدارة الأمريكية تراهن على أن انخفاض الواردات الصينية من النفط يمنح الأسواق فترة من الهدوء؛ إلا أن هذا الرهان قد يكون قصير الأجل، إذ بدأت بكين بالفعل في زيادة مشترياتها لإعادة بناء احتياطياتها الاستراتيجية، ما قد يعيد الضغوط سريعا إلى السوق العالمية.
وأخيرا، يؤكد محللون أن أسواق الطاقة تعيش اليوم مرحلة أكثر هشاشة مما كانت عليه في بداية الحرب؛ فالعالم تمكن من تجاوز الصدمة الأولى عبر استنزاف احتياطيات استغرق بناؤها عقودا، لكن هذه الحلول الوقائية لم تعد متوفرة بالقدر نفسه. ومع استمرار التوترات في مضيق هرمز وباب المندب، فإن أي تصعيد جديد قد يتحول سريعا إلى أزمة إمدادات عالمية وارتفاع حاد في الأسعار، لتصبح المراهنة على استقرار السوق مخاطرة كبيرة في ظل واقع يزداد تعقيدا يوما بعد آخر.