قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة محمد عيد تكتب: وراء كل ثقة مطلقة غدر مباغت

د. هبة محمد عيد
د. هبة محمد عيد

​ثمة خطأ نبيل يرتكبه الصادقون دون أن يشعروا حين يظنون أن العالم يرى الحياة بنفس الطهر الذي يحملونه في قلوبهم يمنحون أمانهم كاملا بلا شروط ولا مواربة ويفتحون أبواب نفوسهم الشاسعة لمن يحبون غافلين عن أن المنح المفرط قد يغري النفوس الضعيفة بالاستهانة وأن الثقة المطلقة حين تُمنح بلا حذر تتحول في لحظة غفلة إلى المساحة الأكثر هشاشة والأسهل للطعن.

​ولعل هذا أعمق ما عبر عنه القائد الحكيم المهلب بن أبي صفرة حين يروى عنه دعاؤه الشهير اللهم قني شر صديقي أما عدوي فأنا كفيل به، وهي كلمة تختصر فلسفة الحياة في أبلغ صورها. فالعدو المباشر يمنحك رفاهية الحذر ويوقظ فيك غريزة الدفاع والصمود ويجعلك ترفع دروعك لتواجه الحياة بشجاعة الفرسان، لكن الصديق والقريب هو موضع أمانك واطمئنانك ولهذا تأتي مأساة الغدر المباغت من الأرض التي ظننتها وطناً أن يخرج السهم من اليد التي طالما طبطبت عليك ومن الشخص الذي كنت تهرع إليه كلما أوجعتك الحياة، لتستريح في ظله هنا تحديداً لا تجرح الطعنة الجسد بل تكسر شفرة الأمان الداخلية وتجعل العقل يقف مذهولاً أمام سؤال حائر كيف يتحول السند في لحظة إلى هاوية وكيف يغدو الملاذ هو مصدر الخوف.

​في أعماق النفس البشرية يبنى الأمان العاطفي حجراً بحجر عبر مواقف متراكمة من الوفاء واحتواء العثرات وحين يقرر الإنسان أن يثق ثقة مطلقة فهو في الحقيقة يضع روحه بين يدي الآخر ويتجرد من كل وسائط الدفاع النفسي، إنه يخاطر بأعز ما يملك لأنه يعتقد أن من أمّنه على سريرته لن يفرط فيه يوماً ولهذا السبب بالذات يكون الغدر المباغت شديد الوطأة، إنه لا يدمر العلاقة فحسب بل يزلزل الرؤية الكلية للذات وللآخرين ويترك المرء في حالة من التيه النفسي حيث يعاد التشكيك في كل كلمة قيلت وفي كل لحظة صدق مرت وكأن العمر كله كان مسرحية أتقن الطرف الآخر أداء دورها.

​إن النفوس العظيمة حين تُصدم بالخيانة لا تسقط لأنها ضعيفة أو قاصرة عن الفهم بل لأنها أُخذت على حين غفلة بسبب طيبتها ونقاء نيتها لقد ألقت دروعها جانباً لأنها ظنت أنها في حرم آمن وأنه لا حاجة للحذر بين الأحبة لكن الجميل في هذه النفوس رغم فداحة الجرح وعمق المأساة أنها وإن تألمت وانعزلت طويلاً لترميم روحها المنكوبة فإنها لا تفقد جوهرها الأصيل ولا تتنازل عن نبيل خصالها.

قد يُهدم جدار الثقة وقد تصبح الخطوات التالية في الحياة أكثر حذراً وهدوءاً وقد يغدو القلب أكثر انتقائية في منح الأمان، لكن الوفاء يظل شرفاً يحمله صاحبه تاجاً على رأسه بينما يظل الغدر خطيئة تلاحق الخائن وتؤرق ضميره كلما تذكر نبل من غدر به فالشجر الشاهق حين تسقطه يد استظلت بظله دهراً يموت وهو واقف وتظل جذوره الضاربة في أرض النبل شاهدة على أنه كان عظيماً حتي لحظة انكساره.