حول أبخرة الشاى الأخضر.. "ابن عم" يحيى الطاهر عبدالله يروى أسرار الأديب الجنوبى الراحل
روى عبد الستار محمد حسن الطاهر، ابن عم الأديب المصري المعروف يحيى الطاهر عبدالله، أسرار الأديب الذى ولد فى حضن معبد الكرنك بمحافظة الأقصر وكان للبيئة الفرعونية والصعيدية والعادات والتقاليد أكبر الأثر فى تكوين شخصيته الأدبية.
ويقول ابن عم الطاهر عبدالله إن من أهم هذه العادات والتقاليد هو تناول شرب الشاى الأخضر الذى اشتهرت به "عائلة الطاهر" منذ نشأتها، حيث يقوم الجد الكبير بشراء الشاى الأخضر من المملكة العربية السعودية ويتم تقديمه لجميع زوار ساحة الطاهر والمدرسة الملحقة به ولزوار جامع الطاهر ومقام الشيخ على موسي الزاهد الصوفى بالمنطقة.
وتابع: "لا يدخل منزل عائلة الطاهر أى نوع آخر غيره حتى الآن، وكان يوجد بالمنزل الشاى الأخضر على شكل أطنان كبيرة تشبه الجبل، وكان جدى الكبير حسن الطاهر يؤمن بأن للشاي الأخضر فوائد كثيرة فمنع دخول الشاى الأحمر للمنزل، لذلك ألف يحيى الطاهر رواية "جبل الشاى الأخضر".
وأشار إلى أن الأديب عبد الرحمن الأبنودى وزوجته عطيات الأبنودي والأديب الراحل أمل دنقل كانوا يجلسون بالشهور ببيت عائلة الطاهر، وكان أول شيء يطلبونه الشاي الأخضر، وكانوا يجلسون يتسامرون ويكتبون رواياتهم وأشعارهم أثناء شربهم الشاي الأخضر.
وأضاف عبد الستار أن رواية "جبل الشاي الأخضر" أدت إلى حدوث مشاكل بين يحيى وبين أهله لأنه استخدم الأسماء الحقيقية وروى تفاصيل حقيقية عن العائلة ما كان يلزم عليه أن يذكرها، مما دفعهم لنقده فى هذه الرواية.
ويسرد الروائى الراحل يحيى الطاهر عبدالله فى روايته "جبل الشاي الأخضر": "كان جدي يصب الشاي في الأكواب من ثلاثة أباريق صغيرة، وقد فرغ، وتناول إبريقًا كبيرًا مملوءً بالماء الساخن وملأ الأباريق الثلاثة من جديد وأعادها إلى المجمرة، من جواره أمسك بالإبريق الأكبر من كل الأباريق – والمسمى الأوزة لطول عنقه – وصب منه الماء البارد في الإبريق الكبير حتى الحافة وأعاده أيضًا إلى المجمرة. كنا صامتين فجدي لم يكن تكلم بعد..
كنت أرقب المجمرة: الأباريق الصغيرة الثلاثة كانت ترقد في الرماد الناعم.. والماء كان يتقلب داخلها تحت قسوة الوهج ويقلقل الغطاء الحارس.. والماء المحترق كان يهرب من تجويف العنق ويصفر.. وكانت أفواه الأباريق الثلاثة تبخر الدفء في جو الغرفة الشتوي.. وكان الإبريق الكبير يصفر صفيرًا عاليًا – فهو يرقد في قلب المجمرة تتحلقه عيون الجمر الملتهبة وتتسلقه حتى المنتصف وتتوهج على سطحه النحاسي اللامع شديدة الاحمرار..
كنت أعي أنه لابد يرقبني – وقد مسح المكان بعينيه وحاصرني ولاحق بصري وأمسك بالشيء الذي سقطت عليه عيناي ليواجهني به ككل مرة أمام الجميع.. يصعد الدم وتنتفخ به عروقي وتكاد تنفجر.. ويلتهب وجهي ويظل ساخنًا يتشقق كما يحدث لإناء الفخار داخل الفرن الحار.. تكون الكلمات في فمي كخيوط الصوف المغزول: مملوءة بالوبر الجاف وقد تشابكت وصنعت أعدادًا هائلة من العقد..
أعرف أنه الخجل أمام الجميع أحس أنني بغير ملابسي.. يصرخ باعتقاده القاطع بأنني أبول على نفسي أثناء نومي برغم أنني لم أعد طفلاً.. ينسب ذلك لحبي للنار المشتعلة.. وولعي بالجمر الأحمر المتوقد.. عيون الجميع تتحلقني.. تظل تتسلقني.. أحسها تكويني من الجنبين.. تتوالى الحروق وتأكل جسمي ويتوالى اللسع الحار.. وأنفجر باكيًا..
عيناي أغمضتهما بسرعة.. وفتحتهما نصف.. فتحتهما عليه: جالسًا بجواري وقد أسقط علي عينيه الغاضبتين، همهم لم يكن جدي تكلم بعد، رمقه بغضب.
- كامل .. أخضر ولا أحمر؟
رد أبي في عجل وكان متحرجًا..
- أيوه يابا.. أحمر
كان جدي يوزع علينا صنوف الشاي.. طلبت لي شايًا أخضر.. ولما كانت عواطف أختي والتي تصغرني بتسعة أشهر كاملة طلبت لنفسها من جدها شايًا أحمر.. وكنت مدركًا أن الأمر يحتاج من جانبي لقدر من السرعة في التصرف لينتهي تمامًا.. قلت محدثًا جدي في صوت واطئ وجعلته مرحًا:
- مش إنت زمان يا جدي كنت صغير زينا.. وكنت بتشرب الشاي الأحمر لكن كبرت وعرفت إن الشاي الأحمر بيحرق الدم فشربت الشاي الأخضر؟
كان جدي يبتسم.. كنت أنظر له وكنت أخشى أن أقرأ وجه أبي..
قلت مخاطبًا جدي:
- طيب ليه عواطف الصغيرة تشرب الشاي الأحمر.. والله العظيم ثلاثة يا جدي دمها كله حيتحرق.. أصل دماغها ناشفة من نوع الحجر وعايزة الكسر..
كانت عواطف متذمرة.. وكان جدي يبتسم مازال.. أما أبي فقد فاجأني:
- مفيش غيرك اللي دماغه ناشفة وعايزة الكسر..
نظرت إلى يده ممسكة بالكوب ممتلئًا حتى منتصفه بالشاي الأحمر
أدركت أنني تعجلت، خاطبته:
- أصلها مش بتسمع الكلام.
قال أبي في أمر قاطع:
- روح شوف البهايم في الحوش.. خلي نوال أختك تجيب اللبن بسرعة.. ونظر إلى عمتي "شرقاوية" وقال في أمرٍ أخف:
- خدي البنت ونضفي شعرها في الشمس بره.. خليها تغسله بعد كده.