ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

ثقافة التعايش.. علي وبطرس

بهجت العبيدي

بهجت العبيدي

الأربعاء 07/أغسطس/2019 - 06:00 م
يظل الأمل يراودني في أن نبدأ سريعا بوضع خطة لإنتاج الإنسان المصري على أسس التعايش وقبول الآخر! الذي لا يأتي هكذا دون تخطيط ووضع الآليات التي تنتج إنسانا يتفاعل مع الحياة تفاعلا موضوعيا، فلا يجعل المخالف له عدوا، كما تفعل الجماعات الإرهابية التي قامت يوم أول أمس بعمل إرهابي يندى له جبين الإنسانية، هذا الإرهابي الذي فعل هذا الجرم البشع اعتبر المجتمع المصري بكل طوائفه وفئاته أعداء له، لأن ثقافته مبنية على الكره والحقد والغل.

أجزم أنه لا سبيل لإنتاج إنسان سوي إلا من خلال التعليم، وأجزم أنه لو نجحنا في إنتاج إنسان يقبل الآخر المخالف له في العقيدة قبولا حقيقيا، لوصلنا لإنسان يرفض العنف، ويرفض فرض قناعاته بالقوة كما تفعل الجماعات الإرهابية، وأوقن أن البداية لابد أن تنطلق من التعليم.

لم ألتق قبطيًّا إلا بعد أن وصلت للمرحلة الجامعية، حيث شاء القدر أن أنشأ في بيئة لا يسكنها أقباط؛ لا في العزبة الصغيرة " عزبة موسى " التي ولدت فيها، ولا في القرية، آنذاك، التابعة لها تلك العزبة، مدينة الجمالية / دقهلية حاليا، " - التي أنجبت المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء الأسبق، والسفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم الرئيس السيسي وغيرهما" - فهذه البيئة إلى الآن تخلو من وجود الأقباط تماما، على ما أظن، فمنذ غادرت من ربع قرن تقريبا متخذا النمسا وجهة لي، لم تنقطع خلال تلك المدة علاقتي ببيئتي الأم، وهو ما يجعل ظني يقترب من اليقين بأن تلك البيئة مازالت خالية! من أبناء مصر من القبط.

لم أتعرف على أسماء إخوتنا وأخواتنا الأقباط، إلا في فترة الجامعة، فلم أكن أعلم أنهم يطلقون أسماء قديسيهم وقديساتهم على أبنائهم، وتخيلت أن كل أسمائهم مثلنا عربية، وما أن تعرفت على بعضهم، فكان أول ما لفت انتباهي هو عجمة الاسم، الذي علمت بعد ذلك أنه ينتمي إما للغة القبطية القديمة، أو إلى إحدى اللغات التي أنجبت ذلك القديس أو تلك القديسة، هؤلاء الذين يتبرك المسيحيون بهم.

وإذا كنت حتى انتهاء الثانوية العامة لا أعرف أن في مصر أسماء غير العربية، لأبناء من الوطن الذي أعيش فيه، ولهم عقيدة مغايرة لعقيدتي التي هي للأغلبية في مصر، فبالقياس لا أعرف شيئا عن الديانة ذاتها، ولا قِيَمِها، إلا من خلال ما يُدَرَّس لنا في المدارس عبر مدرس التربية الإسلامية!، فضلا عن ما يلقيه هؤلاء المشايخ، في خطب الجمعة، وما يملأ بعض الكتب الإسلامية، التي كانت كثيرا من البيوت تحرص على اقتنائها، والتي تحثنا على الدعوة لديننا الحنيف، و "أن يُسْلِمَ على يديك شخص خير من الدنيا وما فيها"، كل هذا يعكس كم نحن مستغرقون في ذواتنا، لا نشعر شعورا حقيقيا بالآخر، وإن كانت نيتنا حسنة! حيث نريد له الخير باعتناق الإسلام، ولم نسأل أنفسنا يوما، هل يحق له هو الآخر نفس هذا الحق الذي نمنحه - أو يمنحه ديننا - لأنفسنا، ويكون مطالبا بأن يدعونا للهداية لدينه، الذي يراه حقا، يريدنا أن نتبعه، ويريد لنا الخير باتباعه.

إن جهلنا بالآخر - في تصوري - هو أصل وأساس حالات الاحتقان التي يمكن أن تنشأ بين أبناء مجتمع متعدد، حيث يرسخ حالة الاستعلاء على الآخر ، تلك الحالة التي تترك في نفسه وقلبه جرحا غائرا، لا سبيل إلى اندماله، وهو ما يفسر لدي حالة التوجس التي تعتري إخواننا الأقباط منا جميعا، مهما حاولنا، أعني المؤمنين بفكرة التعايش، أن نؤكد لهم أنهم إخوة حقيقيون شركاء في الوطن.

وعلى الشاطئ الآخر من المتوسط، في بدايات تواجدي بالنمسا كان لزاما عليّ أن أتلقى دوراتٍ في اللغة الألمانية، لفت، خلالها، انتباهي تنوع الأمثلة التي تُضْرَب في تلك الدورات التعليمية، لأجد أسماء من اللغات الهندية "الأردية"، والصينية، واللغات الأوروبية كالرومانية والإسبانية وغيرها، واللغة التركية، إضافة للغة العربية، فكنت أشعر بسعادة بالغة حينما تُضَمَّنُ الجملة في أحد أركانها ذلك الاسم العربي، فلقد خفف عني مثل هذا المسلك تلك الوَحْشة التي كانت تضرب خيامها محتلة الفؤاد والنفس، وثمَّنْت كثيرا لواضع المنهج التعليمي تلك اللفتة الإنسانية الكبيرة، وأخذني ذلك لأيام طفولتي في المدرسة الابتدائية منتقلا بي إلى مرحلة الصبا فالشباب، أحث ذاكرتي لعلي قرأت مرة في كتاب القراءة والمطالعة اسما غير عربي يبعث اطمئنانا في نفوس إخواننا الأقباط، أبناء الوطن، كما بعث الاسم العربي ذلك في داخلي في بدايات رحلة حياتي في بلادٍ، لم تكن وطنا لي!. 

لم أتمكن من ذلك إلا في كتب التاريخ التي جاءت مقرونة بالمعارك والحرب والاحتلال والمقاومة، والقتل فذكرت احتلال نابليون بونابرت لمصر، ومقتل كليبر على يد سليمان الحلبي، وأسماء ملوك وقادة الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، ثم أسعفتني الذاكرة بموضوع " عيسى العوام" ذلك القبطي الذي شارك مع جيش المسلمين! ضد المعتدين.

ومرة أخرى تنقضي السنون وإذا بالأبناء في المدارس النمساوية، وإذا بالمناهج الدراسية تحتوي على حضارات متعددة، تحتل الحضارة المصرية فيها حيزا واسعا، وثقافات متباينة، وأسماء من لغات مختلفة غير الألمانية التي هي لغة البلاد الرسمية، ومما لفت انتباهي استخدام مناهج التعليم النمساوي للاسم "علي" طبعا مع غيره من الأسماء، وبالتأمل وجدته اختيارا دقيقا مقصودا، حيث أنه عربي قح وإسلامي أصيل؛ سني شيعي، فأدركت أن هؤلاء الأقوام "الفرنجة"! لا يتركون شيئا للصدفة، وآمنت أن التعايش الذي ينعمون به لم يكن هكذا بضربة حظ، أو لأن جيناتهم تعشق بالفطرة ذلك التعايش، ولكنه نتيجة لعمل مُمَنْهَجٍ وفكر عميق، وخطط تم تنفيذها ليغرسوا في نفوس أبنائهم هذا التعايش في وطنٍ لا تفرقة فيه بين أبنائه على أساس من عرق أو لون أو عقيدة أو طائفة، الذي يكاد يُفْتَقَدُ افتقادا في مجتمعاتنا، التي تُفَرِّق، ليس بنص القانون، ولكن بالثقافة المزروعة، بفعل فاعل بين أبناء الوطن، على مستويات مختلفة، تلك الثقافة التي منعت أن يُذْكَر ولو مرة واحدة في أحد موضوعات الدراسة، اسم "بطرس" الذي حمله العربي المصري الوحيد الذي شغل أعلى منصب في العالم، حينما أصبح أمينا عاما للأمم المتحدة.