تقاس حضارات الأمم والشعوب غالبا بتطور الحرف والصناعات فيها بشكل عام، لأنها من المؤشرات الدالة على طبيعة المجتمع واتجاهاته واهتماماته، بالإضافة إلى ظهور التفنن والإتقان والتخصص في العمل الذي وجب على أصحاب المهن والحرف للإهتمام به.
وقالت الباحثة الأثرية نادية عبد الفتاح المتخصصة في الآثار الإسلامية لوكالة أنباء الشرق الأوسط، اليوم السبت، إن لمصر تاريخ طويل في هذا المجال حيث وصلت الفنون والحرف التقليدية المصرية إلى قمة الازدهار في العصر المملوكي 1250-1517م، ففي هذا العصر كانت مصر تسيطر على طريق مهم للتجارة العالمية بين الشرق والغرب.
وأضافت أن المماليك كانوا ينفقون ببذخ جعل الفنانين والحرفيين المصريين يتنافسون في إبداع ما يحتاجه المماليك لقصورهم، ومازالت آثار المماليك حتى الآن تشهد بنبوغ الحرفيين المصريين.
وأوضحت أنه بعد الاحتلال العثماني لمصر عام 1517م انتقلت السلطة إلى العثمانيين ونقل السلطان سليم الأول أكثر من 500 فنان وحرفي إلى بلاده ليصنعوا في تركيا مثل التحف التي صنعوها في القاهرة، وعاد معظمهم بعد حوالي 3 سنوات.
وقالت "للأسف بعد أن أصبحت مصر تابعة للدولة العثمانية لم يعد هناك من يرعى الفنان والحرفي إلا فيما ندر، بل شهدت فترة الحكم العثماني تدهورًا كبيرًا في الفنون والحرف".
واستعرضت أهم الصناعات والحرف المصرية التي أزدهرت في العصر المملوكي، منها الصناعات الغذائية وما يتصل بها من حرف والتي لها علاقة بالغذاء وتتنوع بين الجزارة(القصابة) والطبخ وصناعة الحلوى والطحانين والفرانين والخبازين والشوائين والبوارديين وهم تجار التوابل وقلائي السمك وقلائيين الزلابية (الحلوانيين)، والشرابيين(اللبانين).
وأضافت أن تلك الحرف تعكس أنواع الأغذية العديدة التي كانت منتشرة في السوق المصري وتتماشى مع النمو السكاني في ذلك الوقت، وقد خصصت لهذه المواد أسواق لبيع المواد الغذائية وهذه الأسواق كانت تعمل معظم ساعات الليل والنهار، موضحة أن هذه الحرف المتصلة بالغذاء تكشف عادات المصريين الاجتماعية في هذا الجانب من الصناعات.
وقالت إن مصر في تلك الفترة اشتهرت بالصناعات الخفيفة مثل صناعة الأثاث كصناعة الأسرة والتي تصنع من الخشب المطعم بالعاج والأبنوس أو من الخشب المطلي بالدهون كذلك (الخِزانات) ،ويُقصد بها الخزائن والصناديق التي تُودع فيها لوازم البيت من بخور وأباريق وأدوات المائدة، وكان يطلق على السوق الذي تُباع فيه هذه المواد بسوق (الخراطين) ، كما يباع فيه المهد الذي يُوضع فيه الأطفال.
وأضافت أن مصر اشتهرت كذلك بصناعة الأفرشة ومنها الحُصر والتي تُصنع من سعف النخيل أو أوراق البردي، واشتهرت مدينة الفيوم بصناعتها خاصة في العصر المملوكي واشتهر الرهبان بصناعتها حيث كانوا يُضفرون الحُصر ويبيعونها ليقوموا بفرشها بالمساجد.
وأشارت إلى ازدهار صناعة الأقمشة والمنسوجات، والتي كانت تنقسم إلى أقمشة خاصة بالبلاط المملوكي حيث اهتموا بزينة مواكبهم وفخامتها فضلًا عن ملابسهم الثمينة وكسوة خيولهم، أما المجتمع فكانت لكل فئة ملابسها الخاصة ولا يجب لغير هذه الفئة أن تتزين بها.
وفيما يخص عامة الناس، أوضحت أن ملابسهم كانت خالية من أية نقوش أو زينة والتي كانت مقتصرة على الحكام والفقهاء والقضاة وأصحاب العمائم والتجار.
وتابعت إنه كان في مصر بتلك الفترة حرف خاصة بالزينة مثل الحلاقين والماشطة بالإضافة إلى مهن مرتبطة بالمياه مثل الحمّامي والسقا، كما انتشرت الحرف المتصلة بالعمارة، خاصة أنه خلف لنا المماليك الكثير من العمائر الشاهقة والتي مازالت موجودة حتى الآن من مدراس ومساجد وقصور وحمامات وغيرها.
وأكدت أن ذلك يدل على تقدم الفنون والعمارة في ذلك العصر لدرجة أنه عند افتتاح أي بناء عام للدولة كانت السلطنة المملوكية تُكرم القائمين على هذا المشروع من مهندسين والمشرفين مثلما قام السلطان برقوق بتكريم المهندسين والعاملين عند افتتاح مدرسته.
وكشفت عن ارتباط الحرف بالموسيقى حيث اهتم المصريون بها كثيرًا مثل صناعة العود والربابة والجنك وهي آلة وترية قريبة من صوت العود والشيابة وهي نوع من أنواع الناي ويصنع من القصب المجوف والمزمار العراقي والدف، وكان هناك سوقا لهذه الآلات الموسيقية يتواجد فيه الكثير من الموسيقيين والمطربين.
وعن الحرف والصناعات في عصر محمد على، قالت إنه مع بزوخ القرن الـ 19م وتولي محمد علي باشا الحكم تم إدخال عناصر جديدة من طرق وإنتاج للحرف والصناعة ، وفي عصر الخديو إسماعيل كان أمله أن تصبح مصر قطعة من أوروبا فأبتعد أكثر وأكثر عن الفن التقليدي المتوارث في الحرف وبدأ في تشجيع البناء على الطراز الغربي والذي لا يحتاج إلى زخرفة الأسقف أو مشربيات أو أبواب ذات تعشيقات ولا تطعيم أو جبس المعشق بالزجاج، أو التكفيت بالنحاس، لذلك تم الاستغناء عن الإبداعات.
وأكدت أن الاحتلال البريطاني في نهاية القرن الـ19م عمق هذا التوجه ومع الحرب العالمية الثانية أصبح الطراز الغربي هو السائد في مصر بلا منازع وتحول من بقى من أسطوات في الفنون والحرف التقليدية لخدمة السوق السياحي، فالسائح لا يمكنه أن يحمل مشربية معه أو بابًا ولكنه يُقبل على العلبة الصغيرة المغطاة بالصدف.
وقالت إنه على الرغم من ذلك ظل الكثير مما كان سائدًا يصر على البقاء ويقاوم الفناء، وفجأة أصبح المصري يعيش بين ثقافتين في آن واحد وهما ثقافة يأخذها بشكل منظم في المدارس وهي الثقافة الحديثة، وثقافة أخرى متوارثه عن الأجداد تميز المصري عن باقي الشعوب وهي الثقافة التقليدية التي تحمل طابعة القومي المميز.
وأضافت أنه مع نهايات القرن الـ 20م أصبح هناك توجه قوى للحفاظ على موروثاتنا من الفنون والحرف التقليدية التي تُعبر عن أصالته وعراقته، فيرى الباحثون في هذا الفلكور أن الاقتصار في الحرف التقليدية على خدمة السائح والذي غالبًا لا يدرك أصول الصنعة ولا يعلم الكثير عن قيمتها الجمالية، سيؤدي إلى يصبح الكم أهم من الكيف ، وينتهي الحال إلى أن يحل العامل مكان الفنان.
وأكدت أهمية تشجيع الفنان والحرفي التقليدي ومساعدته على أن يُوظف خبراته ومهاراته وقدرته على الإبداع والتجديد في إنتاج ما تحتاجه الأسرة المصرية الحديثة ، فالمهم أن يضع العناصر الجوهرية الأصلية من المأثورات والتي يجب عليه أن يحافظ عليها، وذلك في إطار منتج يسد بحق الحاجة الحقيقة التي تحتاجها الأسرة المصرية والتي أختلفت حياتها عن حياة الأجداد ، كما يجب أن يأخذ في عين الأعتبار متطلبات السوق الحديث مع عدم التخلي عن الهوية الثقافية له.