يقال إن رجلا كان يتميز بالحكمة وسعة الأفق حكى عن تاريخه ومراحل تطور حياته وقال أنه لم يترك عملا إلا واشتغل به ، ولم يترك بابا من أبواب البحث عن المال والشغل إلا وطرقها . ويقال أيضا أنه كان صاحب مقولة أعمل فى أى شىء حتى تصل الى الشىء الذى تتمنى أن تكون مالكه وصاحبه .
هذا الرجل شهد مرحلة من سعة الرزق مكنته من شراء بيت كبير تزوج فى واحد من طوابقه الاربع التى بناهم بعرفه وكده وتعبه ، وجعل الطابق الاول قهوة بلدى يأتى عليها كل الأنواع وكافة الطبقات وأكابر القوم وصغائرهم أيضا . هذا الرجل كان يعمل معه شخصان احدهما يحبه صاحب العمل الذى هو. الشخص الذى يملك المال والعقار والذى نحكى عنه والآخر كان واحدا آخر مجتهد فى عمله بطريقته هو .
الرجل كبر به الزمن وتوسعت أعماله وزاد رزقه وظل معه نفس العاملان من يحب احدهما ومن يتعامل مع الاخر على كونه مجتهدا ومكافحا لزيادة مصادر الاموال للقهوة ولصاحبها . كان الكل يتهامس بأن المجتهد يسرق صاحب المكان وان الاخر أمين وطيب ويبذل كل مافى وسعه من اجل عيشة حلال وفلوس مباركة .
كل هذا الهمس كان يحرص الكل على ألا يصل إلى صاحب المال والأعمال . وكبر أبناء الرجل صاحب المال وطلب أكبرهم أن يكون مع أبيه فى ادارة القهوة ولم يمانع الاب . ومضى أسبوع وإثنان وشهر كامل والابن يأتى يوميا مع ابيه ولايعود معه ويظل فى القهوة ويراقب كل شىء فيها ويتفقد من يأتون ويمتدحهم ويحاول جاهدا ان يترك أثرا طيبا بينه وبين المرتادين بمختلف فئاتهم وأعمارهم وطبقاتهم الاجتماعية . فى فترة قصيرة نجح الشاب بأن يخظى بمحبة الكل العمال والمرتادين ، واذا تأخر سأل عنه الكل ، وبالطبع شعر أبيه بالفخر لما انجزه إبنه وحصوله على الثقة والمحبة فى نفس ذات الوقت . بعد فترة طويلة قد تمتد لنصف العام ، إختلى الابن بأبيه وطلب منه سماعه دون مقاطعة ودعا له الله أن يتحمل الصدمة التى ستتسبب مما سيلقيه عليه . الابن قال لأبيه وكله أسى وحزن : يؤسفنى أن أخبرك بأن الشخص الذى وثقت فيه ووصفته بالمجتهد يسرقك جهارا نهارا ، ويأخذ من المرتادين أكثر مما يعطى لخزينتك ، بل وانه جمع اموال متراكمة من طريقته فى التعامل هنا ومعك ، والصدمة الأكبر أن رصيده البنكى ملىء بالأصفار وعلى الرغم من ذلك لم يترك العمل ولم يفكر فى ان يكون صاحب مكان مثلك مع انه يملك الكثير والكثير ولكنه يرى ان وضعه هكذا أفضل ألف مرة .. سكت الابن وهو يرتجف خوفا على أبيه الذى خانه العامل وانتزع منه ثقة كبيرة وضعها فيه امتدت لسنوات وسنوات .
المدهش أن الاب لم يتفاجىء ولم يظهر أيا من علامات الدهشة والتعجب بل قال بصوت واهن بحكم الزمن " أعلم بذلك " ولم يترك لابنه فرصة القاء سؤال كيف ومنذ متى ولماذا سكت !! فقال الاب هو يسرقني ولكنه صاحب أسلوب وطريقة عجيبة فى استقطاب الرواد ، ولديه لسان طيب جعل الكل يحبونه ويأتون الى هذا المقهى لحسن استقباله وطريقته المميزة فى التعامل والتخديم عليهم كما يقال فى مجالنا هذا ، لدرجة ان هذا العامل إذا حدث له أى ظرف ولم يحضر المحل تجد المكان فاضى ورواده قلائل ..
هل تعلم ان العامل الاخر أمين ولا يسرق منى قرشا واحدا ولكنه صاحب أسلوب فج وطريقة مقيتة فى التعامل مع الرواد ولذا ففى ورديته التى يعمل فيها تنظر إلى المقهى فتجده كما لو كان مكان عزاء ليهودى اعتنق الإسلام ليتزوج أربع وعندما مات لم يأت أحد لعزاءه وسرادقه ليس أهله من دينه السابق لانه يعرفون اسباب دخوله الدين الجديد ولا من كان على دينهم حديثا لانهم عرفوا مع الوقت حقيقة دخوله دينهم ..هذا هو حال منطقتنا العربية من أقصاها لأقصاها هى قهوة كبيرة اصحابها لاينالون خيرها كله، والقليل لصاحب المكان .. لاسرادق عزاء ولكن هناك معزين كثر بجانب مقبرة المفقود !!!!